رواية قطعة من خافقي كاملة حتي الفصل الأخير الفصل الخامس 5 ياسمين الهجرسي
الحلقة الخامسة
ما بعد الصدمة
حين ينهار كل شيء فجأة لا تملك الأرواح سوى خيارين أن تتكسر أو تنهض رغم الألم.
الهدوء بعد العاصفة ليس راحة بل لحظة ثقيلة يتأمل فيها الجميع ما خسر وما تبقى له كي يتمسك به.
الوجوه ذاتها لكن الملامح تغيرت
العين لم تعد تطل من شرفة الأمل بل من خندق يجهز فيه صاحبه لجولة قادمة.
القلوب التي خذلها النبض لم تعد تنتظر الحياة بل تخلقها وتفرضها على الواقع.
هناك من يعيد حساباته ومن يخفي دمعته ومن يتظاهر بالقوة وهو في داخله يترنح.
لكن لا وقت للضعف ولا مجال للانتظار
فهناك مسؤوليات وملفات وأرواح تنتظر من يفتح لها باب العدالة المغلق.
والبعض وإن جلس في الظل يدير الصراع في صمت يزرع الثقة حيث ذبلت ويمنح القوة لمن كاد يسقط.
إنها اللحظة التي تسبق التحول
إما أن تعيد ترتيب الملامح أو تكتب نهاية لم تخطط لها.
بعد مرور أسبوع
تغرب شمس وتشرق أخرى ولا جديد يذكر.
كأن الزمن نفسه قرر أن يخلع ساعته ويجلس ينتظر لا يتحرك ولا يعلن شيئا.
الأجهزة تصدر طنينها الرتيب والبياض يملأ الجدران ومع كل نسمة تمر تهمس الحياة بتمسكها برجل تحدى كل شيء وسقط بصمت.
الأوضاع كما هي
لكن في القلوب ثورة لا تهدأ.
في الصالة المجاورة ينعقد صمت ثقيل يقطعه صوت أبواب تفتح وتغلق.
الجد والجدة لا ينامان إلا على سجدات الرجاء.
يقومان الليل يقلبان وجهي الدعاء بين المغفرة والشفاء وكأنهما يراودان السماء عن رحمة تعجل.
الآباء والأمهات قلوبهم معلقة يتبادلون التماسك الظاهري ويتقاسمون القلق في النظرات.
إخوته يأتون فرادى وزمرا يحدثونه يمسكون بكفه يضعون رأسهم على صدره كأنهم ينتظرون أن يناديهم بصوته المعتاد.
أما أولئك الشباب نسور القضاء كما سموا فكل منهم عاد لمكتبه بعد أن أقسم في داخله
في صمت مهيب تدار الاجتماعات تفتح الملفات وتعاد جدولة القضايا.
الصرامة لم تخف لكنها انكسرت داخليا بشوق لقائد لم يودعوه بعد.
وهي
لم تغادر حجرته منذ سبعة أيام.
جالسة على كرسيها تروي له بصوت خافت كل ما يحدث.
تحكي له عن القضية الفلانية والمستند الذي ضاع والموظف الذي ارتبك وعن الإعلان الذي صدر في غيابه فاهتز له الشارع.
ترفع عينيها لوجهه الساكن وتبتسم كأنها تقنعه أنها تمسك بخيوط كل شيء ثم تهمس بنبرة مرتجفة
أنا كويسة بس ارجع بقى علشان الدنيا مش هي هي من غيرك.
ثم تعود لتغمر يده بكفها وتكمل حديثها عن تفاصيل يعرفها عن ظهر قلب لكنها تحكيها له لتبقي صوته حيا في ذاكرتها ولعله هناك في الأعماق يسمعها فيعود.
التحقيق يبدأ
في مقر مديرية الأمن مكتب اللواء فاروق الصاوي
الأجواء مشحونة الملفات مفتوحة والسكوت أكثر من الكلام.
جلس اللواء فاروق على مكتبه أصابع يده تعبث بالقلم وهو يتأمل الورق أمامه لم يكن هذا اليوم الذي تمناه كان ينتظر أن يفتح راكان عينيه ينهض من فراشه ليسكت كل الأصوات المتناقضة ويجيب بنفسه
لكن الوقت لا ينتظر أحدا.
دخل أحمد الشاذلي الغرفة بعد استدعاء مباشر. وقف لم يجلس رغم دعوة اللواء المتكررة.
اللواء فاروق بجدية هادئة
أنا حاولت أستنى على قد ما أقدر بس الوضع بيضغط علينا كل يوم والناس بتسأل
والإعلام بدأ يسخن والمواقع بتنشر سيناريوهات مجنونة.
أحمد الشاذلي بصوت ثقيل
عارف يا فاروق وعارف إنك عملت اللي تقدر عليه بس ابني ابني لسه بين الحياة والموت يا فاروق.
اللواء فاروق
ومفيش ضمانة إنه هيفوق في الوقت اللي نحتاجه فيه. لازم نفتح التحقيق رسميا وهبدأ باللي كانوا حواليه وقت الحادث. واللي شافوه آخر مرة.
أشار اللواء إلى
اللواء
معايا أسماء زياد مدحت يونس أحمد الشاذلي يعقوب أحمد الشاذلي والتقرير المبدئي بيقول إنكم كنت متعرضرن للخطر ومع ذلك محدش بلغ... بس اكتفيت بتعيين شركة حراسة.
أحمد يحاول التماسك
انت بتلمح لإيه
اللواء فاروق ينظر له بعين صديق ورجل أمن
أنا مش بلمح يا أحمد أنا بشتغل. وبلوم عليك حتي لو هتتعرض لتهديد كان لازم تبلغنا كنا قدرنا نتصرف حتى لو كان سكوتك بنية الحماية أو التعجيل أو حتى بدافع شخصي يبقى ده لازم يتقال.
سكت قليلا ثم ضغط على الزر الداخلي.
اللواء ادخل يا ياسين وابدأ باستدعاء زياد مدحت.
دخل الضابط ياسين بسرعة. دقائق ودخل زياد يده متوترة ووجهه شاحب وقف أمام اللواء وحياه باحترام.
اللواء
زياد احنا مش في موقف عدائي بس محتاجين نعرف بالضبط إيه اللي حصل يوم الحادث وكل يوم قبله.
جلس زياد تنفس ببطء وبدأ يتكلم
زياد
آخر مرة شفت فيها راكان كان ساعة المؤتمر لما القناص ضربة بالرصاصة الغدر.
اللواء
تعرف مين ممكن يكون عملها
زياد
اكيد السمري واللي وراه ولازم تقبضوا عليهم مش لسه يحققوا.
دخل يونس بعده ثم يعقوب. كل واحد فيهم حكى وجهة نظره تشابهت التفاصيل واختلفت التواريخ الدقيقة.
اللواء فاروق بصوت حاد
يعني مفيش حد شاف أي حاجة! ولا حد جالوا تهديد صريح غير راكان
يعقوب
انتم لازم تجيبوا حق راكان مش لسه بتسألوا عن تهديدات.
اللواء يصرخ عليه بغضب
وإزاي رجل بحجم راكان يترك في مكان بحماية ضعيفة أو رصد
عم الصمت.
أحمد الشاذلي بعد تنهيدة ثقيلة
أنا اللي ربيته على كده يواجه بنفسه ويشيل كل حاجة على كتافه. يمكن ده غلط بس كان شايف إن ده شرف مش تهور. وبعدين هو كان معين شركة حراسات أمنية كبيرة جدا
وقف اللواء ونظر لهم واحدا واحدا.
اللواء فاروق
من اللحظة دي مفيش تهاون. كل واحد فيكم هيكتب إفادة ومفيش أي معلومة تتحجب. ولو في حد عارف أكتر من كده ف اللي هيسكت يبقى شريك.
ثم أضاف بصوت خافت فيه ألم الصداقة
اللواء
أنا فتحت التحقيق مش علشان أشك بس علشان أقدر أجيب حقه وهو على السرير بيتنفس بصعوبة محتاج يعرف إن الدنيا لسه فيها عدل حتى لو غاب عنه شوية.
قاعة التحقيق الجانبية كانت يتم التحقيق بعد دقائق
جلست وتين على الكرسي المقابل للمحقق وبجوارها أحد أفراد الحماية الخاصة من المديرية. وجهها شاحب نظرتها زائغة لكن في أعماقها شرارة تحد تقاوم الذعر.
دخل اللواء حسن الدمنهوري بنفسه جلس مقابلها وقال بلطف حازم
اللواء
أنا آسف إني بضطرك تقابلي الذاكرة دي تاني بس محتاجين منك كل التفاصيل. حتى لو بدت بسيطة.
أومأت وتين بصوت بالكاد يسمع
أنا كنت خارجة من المحكمة... راكان كان واقف على البوابة بيتكلم في التليفون وبعدين لمحني واتنفض... جري ناحيتي وقال لي
ارجعي بسرعة جوا!... مافهمتش ليه لكن قبل ما أتحرك طلقة...
صمتت وارتجفت يدها.
اللواء
استهدفتك
وتين
أيوه... لو ما كانش راكان سحبني بجسمه كانت جت فيا.
كتب الضابط المرافق الملاحظات بينما تابع اللواء
وصلك أي تهديد قبل الواقعة على تليفونك في شغلك
هزت رأسها
ايوا بس... قبلها بيومين جالي تهديد صريح بالقتل كان في عربية بتمشي ورايا وأنا رايحة الشغل. ومرة تانية وأنا راجعة كنت حاسة إن حد بيراقبني بس انا متعودين على كده.
اللواء باهتمام متزايد
طب ما بلغتيش ليه
وتين ماأنا متعودة... وبصراحة كنت فاكراه مجرد توتر كالعادة لأن راكان كان بيشتغل عليها وما كانش بيقولي التفاصيل.
اللواء
وزي ما كلكم عارفين كان بيحقق في ملف حساس جدا... يخص تجارة أراض متخفي في شركات تطوير