رواية قطعة من خافقي كاملة حتي الفصل الأخير الفصل الخامس 5 ياسمين الهجرسي

لمحة نيوز

على شيء أخير.
لو السمري سيبدأ فلن يبدأ براكان.
سيبدأ من الأضعف من حيث لا يتوقع أحد سيضرب من الظل.
أغلق أحمد الهاتف
المكان من حوله لا يزال صامتا لكنه لم يعد كما كان.
يونس نهض من كرسيه وقد قرأ التغيير في ملامح والده.
وتين شدت أطراف شالها تشعر بأن شيئا تغير دون أن تفهم السبب.
أحمد التفت إليهم صوته خرج واضحا حازما قاطعا كفأس في شجرة.
السمري هرب
سكت ثم أردف بصوت أخفض لكنه أثقل 
وأنا مش ناوي أستنى لحد ما يوصل.
تحرك بعدها دون أن يشرح وكأن كل ثانية باتت تحمل وزن حياة.
في نفس ذات الوقت في مكان ناء على أطراف المدينة 
كوخ متداع بالكاد يقف على قدميه تصدر عنه أضواء خافتة وشبه خرساء. الهواء محمل برائحة عرق ورصاص وقلق أما الداخل فكان مسرحا لصمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت السمري وهو يتنفس ببطء يداه تفتلان مسبحته الخشبية بعنف صامت.
جلس في صدر المكان يراقب رجاله بنظراته المشبعة بالحنق والشك. الجدران عارية إلا من بندقيتين مسنودتين بإهمال وطاولة تحوي خرائط وعدة هواتف مفككة وبقايا وجبات لم تمس.
خرج السمري هاتفا خاصا فتح خطا مشفرا وانتظر.
رن الهاتف مرتين قبل أن يرد عليه بصوت رجولي خشن 
آه يا باشا...
أجابه السمري بنبرة منخفضة ولكن مشبعة بالأمر 
سامر... اسمعني كويس. اللعبة دخلت في الجد. راكان نايم بس رجالته كلهم شياطين. وسيف تحديدا لازم يتشال من الطريق... وإنت اللي هتشيله. 
سامر تنفس بحدة على الجانب الآخر ثم سأل 
تشيله إزاي
السمري بصوت متهدج بنار الخيانة 
بمسدس صفا.
سكت سامر لحظة كأن الكلمات ضربت صدره.
بس فين مسدس صفا...
قاطعه السمري بنبرة حاسمة 
المسدس مع شوشو انت هتتصرف وتاخدو ووقتها لما يلاقوا سيف مقتول بسلاحها هيخلصوا عليها وتبقى انت طلعتهم كلهم من السكة بضغطة زر وكده يبقي وقع نسر من نسور الشاذلي. 
سامر بصوت مهزوز 
بس صفا ايه ذنبها... مش معقول علشان حبها ابن المستشار أحمد الشاذلي يبقي لازم نقضي عليها ونخرب حياه الكل وليه أصلا شوشو معها المسدس.
ضحك السمري ضحكة قصيرة كمن يتأمل عبث الحياة 
الحب الحب في الحرب بينقتل أول واحد. وانت خلاص دخلت الحرب غصب عنك لأنك أبني... ودي أوامري ولازم تتصرف وتجيب منها المسدس وانت عارف الطريقة تروح بيتها تاخده منها.
ثم أغلق الخط وهو يضغط الهاتف بيده حتى تبين عروق ساعده.
حدق في السقف وهمس 
أنا أنا مش بخسر مرتين. 
سقط الصمت كصفعة على وجنته بينما انطفأ ضوء الهاتف في راحته.
ظل يحدق في الفراغ لثوان كأن صدى كلمات والده ما زال يتردد في أذنه 
في أب يقول لأبنه كده ماهو سبب كل اللي
انا فيه ماشي يا باشا 
نهض من مكانه ارتدى سترة سوداء بلا شعار وسحب من على المنضدة مفاتيح سيارة ومتعلقاتة 
وهو يحدث نفسه يبقي يعرفني السمري باشا هيعمل إيه من غيري
واتجه الى وجهته لا يفكر في شئ سوي ملاذ.
استيقظ الضوء بخجل من خلف الستائر الثقيلة يتسلل بخيوط فضية تراقص ذرات الغبار في شقة سيف الهادئة. الفراغ يهمس بصمت مريب إلا من صوت المياه المنهمرة من خلف باب الحمام المغلق حيث وقف سيف تحت الشلال الدافئ يحاول أن يغسل عن جلده آثار الليل الطويل كأنه يهرب من شيء أو يتطهر من ضعف لم يعهده في نفسه.
في الخارج كانت شوشو ممددة على السرير شعرها الأسود متناثر على الوسادة وظهرها نصف مكشوف تحت الغطاء.
لم تكن نائمة حقا لكنها تظاهرت بذلك عين واحدة تراقب الباب المغلق وأخرى شاردة في سقف الغرفة.
همست لنفسها بابتسامة تميل إلى المكر 
غني ووسيم بس مكسور من جواه. لو مكنتش بحب يونس كنت لفيت عليه من زمان بس يونس رماني خلاص أنا دلوقتي بلعبها صح!
نهضت من على السرير في خفة سارت بخطوات حافية نحو الكومودينو تعبث بأدراجه وكأنها تبحث عن أثر من الماضي أو علامة للمستقبل سحبت أحد الأدراج فارتطمت عيناها بصناديق دواء مصففة بدقة تحمل أسماء أدوية مضادة للذهان مهدئات وأقراص نوم.
شهقت همسا وهي ترفع أحدها وتقرأ اسم العقار ثم التفتت ببطء نحو الحمام حيث سيف لا يزال داخله.
يعني مش بس مكسور دا مريض كمان همست بضحكة خافتة وهي تعيد العلبة إلى مكانها.
حاجة كده ما تتفوتش دا ممكن يعمل اللي أنا عايزاه بسهولة ويفضل فاكر إنه بيختار.
انشغلت قليلا بترتيب شعرها أمام المرآة ثم أسرعت إلى المطبخ وأعدت فطورا بسيطا بيض خبز كوب شاي وقطعة جبن. وضعته على الطاولة ورتبت الأطباق بسرعة ثم عادت إلى الغرفة وجلست على طرف السرير متقمصة دور الحبيبة المثالية.
خرج سيف أخيرا شعره لا يزال مبللا وعيناه تائهتان في عالمه الداخلي كان يرتدي برنص الحمام فقط وعلى وجهه لمحة ذهول حين وجدها لا تزال هنا.
رمقها بنظرة ساخرة 
مالك داخلة على دور الزوجة المثالية ولا إيه
ابتسمت وبنبرةناعمة 
قولت أعملك فطار ما حبيتش أمشي وإنت لسه نايم.
ضحك ضحكة قصيرة مرة ثم سار نحو الطاولة أخذ لقمة من البيض ورفع حاجبه 
مم مش بطال. بس متعودة على ده ولا دي أول مرة 
كتمت غيظها بابتسامة لطيفة 
ولا ده ولا ده أنا لما أحب حد بحب أخد بالي منه.
هز رأسه ساخرا ثم توجه نحو الكنبة جلس عليها وأمسك بهاتفه. فتح شاشة الأخبار وعيناه تلمعان عند ظهور صورة لصفا الشاذلي.
ملامحه تلينت كأنما رآها لأول مرة أو تمنى رؤيتها ثانية.
كانت شوشو تراقبه
من بعيد كل عصب فيها يشتعل. لكنه لم ينتبه لها كان غارقا في الشاشة.
اقتربت منه وجلست بجواره مسحت شعره بخفة وهمست 
لسه بتحبها
رد بهدوء 
معرفش يمكن. بس اللي زيها صعب يتكرر.
نظرت إليه تقاوم الغيرة وقالت 
طب ما تروح تزور أخوها في المستشفى. يمكن تبين ليها إنك لسه في الصورة
رفع رأسه ينظر إليها عيناه تحملان شكا 
ليه فكرة دي جاية منين 
وضعت يدها على صدره وقالت 
عشان تشيل من جواك يمكن تشوفها يمكن تبرد نارك وأنا كمان
أنت كمان إيه
أنا كمان مش بحب أشوفك عايش على الأطلال يمكن وجودك هناك يبقى خطوة جديدة.
سكت قليلا ثم تنهد 
هفكر.
أمالت رأسها عليه وضغطت بابتسامة ناعمة 
فكر بسرعة الزمن مش بيستنى حد.
سكتت الأصوات من حولهم وبقي صوت التلفاز يعرض آخر مستجدات عائلة الشاذلي صورة صفا لا تزال تلوح على الشاشة وسيف يحدق فيها بينما شوشو تنظر إليه وعقلها يدور بتريليونات الخطط.
ثم ختم المشهد بصوت داخلي في عقل شوشو كأنها تلقي وعدا لنفسها 
هخليك تنسى اسم صفا ولو آخر حاجة أعملها.
صباح يوم جديد الساعة التاسعة وخمس وأربعون دقيقة صباحا.
ساد الهدوء في الممر الطويل المؤدي إلى غرفة العناية المركزة. كانت الأرضية تلمع من أثر التنظيف والهواء مشبع برائحة المطهرات لكن خلف الزجاج العازل كان العالم مختلفا. هناك كانت الأنفاس تحسب والمؤشرات ترصد والقلوب معلقة بجهاز صغير يصدر طنينا متقطعا يعادل نبض الحياة.
وقفوا جميعا كأنهم أسرى خلف العازل الزجاجي أنفاسهم متقاربة أعينهم مثبتة على الجسد المسجى على السرير الأبيض الذي يتوسط الغرفة بصمت مهيب.
الطبيبة المشرفة كانت تقف عند نهاية السرير عيناها ثابتتان
على شاشة المراقبة وأصابعها تدون ملاحظات دقيقة خلفها تمركزت الممرضة بحذر وكأن لمسة واحدة قد تغير مجرى الأمور.
الهواء كان ثقيلا صامتا وكأن الزمان توقف في اللحظة ذاتها.
شخص ما على الجانب الآخر من الزجاج شد يده إلى صدره لا إراديا وكأن قلبه ينبض هناك في صدر الراقد الغائب لا داخله. كانت العيون تلمع بخليط من الرجاء والخوف والوجوه رغم تفاوت ملامحها اتفقت كلها على التعب على السهر على الصلاة الخافتة في القلب.
وفجأة جاءت تلك اللحظة التي كأنها انتزعت من حلم.
ارتج الخط الأخضر على الشاشة وعلت نغمة رتيبة جديدة أكثر وضوحا حركة صغيرة خفيفة بالكاد ترى صدرت من يد الراقد على السرير.
في البداية ظنها البعض خداع نظر لكن الممرضة قفزت بخطوات سريعة وجسدها كله يستنفر.
الطبيبة بدورها مالت إلى الأمام وضعت يدها على الجبهة ثم صاحت بلغة طبية واضحة تؤكد أن المؤشرات العصبية بدأت تستجيب.
ارتفعت
الأيدي خلف الزجاج وضغطت على الشفاه والدموع سالت قبل أن تفهم الكلمات
شخص هناك ارتجف جسده من فرط التوتر وآخر كتم صرخة الفرح بين شفتيه كان النبأ ينتشر بينهم كوميض برق هو يفيق هو يعود
ثم وكأن القدر يحب أن يختبر صبرهم حتى اللحظة الأخيرة فتح باب الممر على مصراعيه ودخلت امرأة في منتصف العمر خطواتها متسرعة وعيناها تفتش الوجوه في لهفة قبل أن تستقر على المشهد داخل الزجاج.
شهقت... لكنها لم تصدر صوتا. فقط وقفت.
هي لا تعرف تفاصيل ما حدث لم تر الأجهزة لم تستوعب المصطلحات لكنها رأت ما يكفي رأت نظراتهم دموعهم رأت الفرحة الخافتة التي بدأت تتحول إلى يقين.
اقتربت حتى لامس أنفها الزجاج وضعت كفيها المرتجفتين عليه ونظرت.
ما هذا الشعور أن ترى من تحب بين الحياة والموت أن يعاد إليك من جديد
همست بخوف 
هو بيقوم
أجاب أحدهم دون أن يحول عينيه عن الداخل 
بدأ يستجيب جسمه بيرد.
لكنها لم تسمع الكلمات كانت فقط تحدق في الملامح المنهكة الراقدة تبحث عن دليل في ارتعاشة رمش أو زفرة صدر.
عندها فقط بدأ الجسد على السرير يتحرك ببطء الرأس التفت في خفة كأنها حلم واليد ذاتها التي تحركت قبل قليل ارتفعت قليلا ثم هبطت لم تكن حركة واعية بالكامل لكنها كانت كافية ليعلن الأمل عن نفسه.
في الداخل ضغطت الطبيبة على زر ما ودخلت أجهزة جديدة اقترب منها أحد الأطباء وبدأوا جميعا يتعاملون مع الراقد ككائن حي يعود من غيبته الطويلة لا كمجرد جسد راكد على سرير أبيض.
وراء الزجاج تلاحقت الدموع والأنفاس تقطعت بين الرجاء والامتنان.
رفعت المرأة التي كانت قد دخلت منذ قليل يديها إلى السماء ولم تتمالك نفسها بدأت تبكي بحرقة ثم التفتت إلى من حولها بصوت مرتجف 
كان قلبي حاسس كنت حاسة إنه مش هيسبنا.
اقترب منها أحدهم أمسك بيدها لم يقل شيئا.
كانت الكلمات الآن أضعف من أن تقال
اللحظة كانت أبلغ من كل حوار
وما هي إلا دقائق حتى أومأت الطبيبة برأسها من خلف الزجاج تشير بأن الحالة تستقر.
قال أحدهم وهو يمسح دموعه 
الحمد لله عدينا المرحلة الحرجة.
لكن ما زالت النظرات معلقة به كأنهم يخافون أن يتحرك الزمن فجأة فيعود كل شيء كما كان.
في الزاوية كانت فتاة شابة ترتجف وهي تشاهد عيناها لا تفارقان الراقد في قلبها مشهد صغير يدور كحلم يده تمسك بيدها يضع الخاتم في إصبعها ويبتسم هي فقط تريده أن يفتح عينيه أن ينظر إليها أن يتذكرها أن يقول اسمها
من بين الجميع كانت هي أكثر من تمنى تلك اللحظة لكنها لم تتكلم.
كأنها تخاف أن تفسد السكون بدعوة علنيةفاختارت الدعاء في قلبها.
ورغم السكون كان المكان يعج بكل المشاعر التي عرفتها البشرية منذ
الأزل 
الخوف الفقد الحب الرجاء الندم الدعاء وكلها تجمعت هناك خلف الزجاج في لحظة ولادة جديدة لشخص واحد فقط
يتبع...

تم نسخ الرابط