رواية انتقام الوريثة كاملة كل الفصول أسماء حميدة الفصل 29
الفصل 29
لم يشعر جاستن في تلك الأيام بشيء يشبه الفرح فالحرية التي نالها بعد انفلاته من قيوده القديمة تشبه بابا فتح على فراغ موحش أكثر مما تشبه انعتاقا لم يكن قلبه يحتفل بل كان يئن كأنه أدرك متأخرا أن الحب الذي سعى خلفه ليس وطنا كما تخيل بل غابة من التوقعات التي خانها الواقع عند أول امتحان.
جلس جاستن إلى مكتبه يحدق في الضوء المنكسر على سطح الطاولة كأن الانعكاس يعيد إليه وجهه الحقيقي
مرهق باهت نصف رجل ونصف ظل يبحث عن ذاته بين ركام علاقات ذابلة.
دوى طرق حاد على الباب فقطع شروده يرفع رأسه وقال بصوت خافت لكنه آمر
ادخل.
اندفع إيان إلى الداخل بخطوات سريعة يحمل في يده ملفا سميكا تتطاير منه رائحة الورق الجديد ممزوجة برائحة المطر ثم قال بلهجة متوترة
سيدي سلفادور انتهيت من التحقيق.
اقترب إيان من المكتب ووضع الملف أمامه قبل أن يتابع بنبرة فيها شيء من الحذر
فندق KS World ألغى طلباته مع شركة علياء للأثاث منذ تسعة
ظل جاستن صامتا يحدق في الملف بينما عقله يعيد ترتيب القطع المبعثرة من الصورة ثم تمتم وكأنه يحدث نفسه
وبعدها مباشرة أعلنت روزاليند زواجنا للعالم وشوهت سمعة آنا براون وفي اللحظة نفسها تقريبا كشفت مجموعة KS عن فضيحة علياء للأثاث فانفجرت الضجة
شد على أسنانه بقوة وبدت عضلات فكه تتقلص بعصبية يمد يده المرتجفة إلى درج المكتب أخرج شريطا من المسكنات يقتطع قرصا بابتسامة متعبة لا تشبه إلا الاستسلام ثم ابتلعه بجرعة ماء باردة كالسيف.
تابع إيان وهو يراقب سيده بعين مترددة
ثمة أمر آخر سيدي. تبين أن نائب رئيس الفندق مايكل جوردون كان يتقاضى عمولات ضخمة من شركة جولد قبل تولي السيدة تومسون منصبها وعندما اكتشفت الأخيرة أن الفندق يستخدم مراتب رديئة بدلا من الأصلية طردته
ثم ابتسم إيان ابتسامة تجمع بين الدهشة والإعجاب وقال نصف مازحا
يا إلهي تلك المرأة جريئة! لا تشبه أحدا إنها ببساطة النسخة الأنثوية منك يا سيد سلفادور!
ارتفعت زاوية فم جاستن قليلا لكن ابتسامته لم تكتمل بل ظلت عيناه بعيدتين تتأملان مشهدا لا يراه سواه ومن ثم قال ببطء وهو يفرك صدغيه بأطراف أصابعه محاولا إخماد الضجيج في رأسه
كل هذه الخيوط مترابطة لا شيء حدث بالصدفة إيان كل خطوة كانت محسوبة لكن على رقعة لم أرها بعد.
ساد صمت ثقيل تخللته فقط أنفاس جاستن المتقطعة وصوت المطر وهو يصفع زجاج النافذة.
فجأة اخترق ذهنه ومضة خاطفة كأن ذكرى انسكبت فجأة في عقله وانبعث منها صدى أنثوي مألوف خطوات حادة بكعب عال ترتطم بأرضية الممر تعلن حضورها كما لو كانت سيمفونية أنوثة لا تخطئها أذن ذلك الصوت في الممر كان وقع أقدام آنا براون.
لوهلة
جاستن توقف عن تناول مسكنات الألم إن كنت تعاني من الصداع فسأخففه لك بالتدليك أو بالوخز بالإبر.
ثم جاء صوتها ثانية أكثر دفئا أكثر صدقا
جاستن يؤلمني قلبي حين يؤلمك رأسك أريد أن أعالجك حتى لا نتألم نحن الاثنان.
ترددت كلماتها في رأسه كأنها ترتطم بجدران ذاكرته تتردد كصدى في كهف لا قرار له أحس بها تدور حوله تتشكل في الهواء كطيف من نور ودفء حتى كاد يمد يده ليلمسها.
وفجأة شعر بزوج من الأيدي تمتد من خلفه أصابع دافئة تضغط برفق على صدغيه وتدلك رأسه في حركات بطيئة تنبض بالحنان كما كانت تفعل معه في الماضي.
أغمض عينيه للحظة مستسلما لذلك الإحساس العجيب بين الألم والسكينة ثم تراجع كمن صفع بالواقع.
يا إلهي! تمتم لنفسه وصدره يعلو ويهبط.
هل بدأت أهلوس هل باتت شبحها يلامسني فعلا
كانت ملامح آنا تنبثق أمامه من العدم كما لو أن ذاكرته