الأب زوّج ابنته الكفيفة لرجل فقير

لمحة نيوز

الأب زوّج ابنته الكفيفة لرجل فقير - وبعد أشهر صُدم مما رآه


وُلدت طفلةٌ عمياء في بيتٍ كان الجمال فيه شريعةً لا تُخالف وميزانًا لا يميل… كانت أختاها الأكبر سنًا تتلألآ كشمس في سماء العائلة؛ عيونٌ براقة تُشاد بها المجالس وابتساماتٌ تُعدُّ وسام فخرٍ يتباهى به الوالدان.

أمّا هي… فكانت في أعينهم زلّة قدرٍ لا تُغتفر وندبةً خفية تُذكّرهم بأن العدالة لا تزور كل البيوت.

لم تكن ترى ملامحهم لكنها كانت تشعر بثقل نظراتهم وبذلك الصمت الذي يسبق التنهدات… كانت تدرك أنها مختلفة، لا لأنها لا تُبصر بل لأنهم أبصروا فيها نقصًا لا يُحتمل.

وحين بلغت الخامسة انطفأ المصباح الوحيد في عتمتها؛ رحلت أمها، المرأة التي أحبتها بلا شروط واحتضنت ظلامها كأنه نورٌ خاص… كانت تمسك بيدها الصغيرة وتهمس في أذنها بصوتٍ يقطر حنانًا:

«الظلام لا يجعلكِ أقلّ شأنًا… إنه فقط يمنحكِ طريقةً أخرى لرؤية العالم

وتلك هبةٌ لا يدركها الجميع».

بوفاتها تبدّل وجه البيت… صار الأب أكثر صلابة وأشدّ برودًا؛ كأن الحزن جفّف ينابيع الرحمة في قلبه… لم يعد في صوته ذلك الدفء القديم ولا في خطواته ذاك الاطمئنان… وهكذا وجدت الطفلة نفسها وحيدةً في عالمٍ لا تراه وبين قلوبٍ تراها عبئًا لا يُحتمل.

لم تعد في نظره ابنته التي تحمل اسمه وملامحه بل صارت مجرد «تلك الفتاة»… لفظًا جافًا يُقال بلا التفات وكأن بينه وبينها نسبًا منسيًا… على مائدة الطعام كانت الكراسي تُرتَّب بعناية والأطباق تُلمَّع استعدادًا للضيوف أما هي فكانت تُركَن في زاوية الصمت، يُتجاوز وجودها كما يُتجاوز ظلٌّ عابر.

لم يكن في البيت متّسع ليدٍ تُربَّت على كتفها ولا لكلمة حانية تُقال همسًا؛ فالمودّة في عرفهم ترفٌ لا ضرورة له.

ومضت الأعوام ثقيلةً تعلّمت فيها قراءة «برايل» تتحسس الحروف بأطراف أصابعها كما لو كانت نجومًا صغيرة منقوشة

على ورق حتى صارت الكتب نافذتها السرّية والسفرُ حلمًا تُشيّده في مخيّلتها مدينةً بعد مدينة وعالمًا لا تراه عينيها بل تبنيه في داخلها صورةً أكثر اتساعًا مما يُرى.

غير أنّ كل خطوةٍ كانت تخطوها كانت تُطوَّق بازدراءٍ صامت كريحٍ باردة لا تُرى لكنها تُحسّ… تعلّمت أن تعيش في سكينةٍ تشبه العتمة، وأن تُصغي إلى العالم بقلبها قبل أذنيها؛ تميّز العطور كما تُميّز الوجوه، وتقرأ الارتباك في نبرةٍ مرتجفة، وتفهم الفرح من ارتعاشة ضحكة، والحزن من ثقل التنفّس… صار لها بصرٌ من نوعٍ آخر لا يخطئ التفاصيل التي يغفلها المبصرون.

وحين بلغت الحادية والعشرين أعلن والدها ببرودٍ حاسم أنّ الوقت قد حان «لترتيب مصيرها»… قالها كما تُقال جملةٌ إدارية لا علاقة لها بالقلب وكأن حياتها ورقةٌ ينبغي وضعها في الملفّ المناسب… دون أن يسألها يومًا ماذا تريد.

في صباحٍ شاحبٍ كأنّه خرج لتوّه من ليلٍ طويل فتح

والدها باب غرفتها دون استئذان… كانت جالسةً إلى مكتبها تحتضن كتابًا بين يديها وأصابعها تنساب فوق نقاط «برايل» في ألفةٍ وطمأنينة كأنها تعزف لحنًا لا يسمعه سواها.

قال بصوتٍ باردٍ لا يرتجف:

«غدًا ستتزوّجين».

تجمّدت يدها فوق الصفحة وسكن الهواء في صدرها. أتزوّج؟ من؟ وكيف؟ لكنّه لم يمنحها فسحة السؤال إذ أردف بلهجةٍ حاسمة:

«شابٌّ فقير من الشارع… أنتِ كفيفة وهو فقير… زوجان مثاليان».

انقبض قلبها حتى خُيّل إليها أنّه سيُسمَع… أرادت أن تصرخ، أن تقول «لا»، أن تحتجّ ولو بكلمةٍ واحدة غير أنّ الكلمات تعثّرت في حلقها كدموعٍ جفّت قبل أن تنهمر… لم يكن في حياتها متّسعٌ للاختيار ولا في بيتها أذنٌ تُصغي.

في اليوم التالي أُقيم حفلٌ بسيط لا يليق إلا بالصمت… لا موسيقى، لا ضحكات صافية، بل وجوهٌ متحفّظة وهمساتٌ تتسلّل بين الجيران:

«عمياء وفقير… يا له من زواج».
توالت الكلمات تُلقى

كحصى صغيرة تصيب قلبها في العمق.

 

تم نسخ الرابط