الأب زوّج ابنته الكفيفة لرجل فقير

لمحة نيوز

كان خطيبها غريبًا عنها، صوتًا لم تألفه، وخطواتٍ لا تعرف وقعها بعد… وأمام عالمٍ مجهول وشخصٍ لم تلمس روحه من قبل تمدّد شعور الوحدة في صدرها يغمر كل صوتٍ وكل خطوة.

غير أنّ الأيام حملت ما لم تتوقّعه.

تبيّن أنّ زوجها رجلٌ واسع الروح، هادئ الحضور… لم يرفع صوته قط، ولم يتعامل معها كعبءٍ أو شفقة… كان يسألها دائمًا بلطفٍ صادق:

«هل أنتِ مرتاحة؟»… وكأن راحتها شأنه الأول… كان يصف لها العالم من حولهما بعناية عاشقٍ للتفاصيل:

لون السماء حين تميل إلى الزرقة الخفيفة قبل الغروب وأسماء الأشجار الممتدة على طول الشارع وكيف تتمايل أغصانها إذا داعبها النسيم وكيف تفوح رائحة الزهور بعد المطر.

لم يكن يكتفي بأن يخبرها؛ كان يشاركها الإحساس

يمنحها العالم كما لو كان يضعه بين يديها… شيئًا فشيئًا أخذ دفء اهتمامه يذيب الجليد الذي خلّفه والدها في أعماقها… خفّت وطأ الخوف، وتسلّل الأمان إلى قلبها على استحياء.

ومع مرور الشهور لم تكتشف رجلًا فحسب… بل اكتشفت عالمًا جديدًا، عالمًا تُقاس فيه القيمة بالرعاية وتُضاء فيه العتمة بالحنان.

لأول مرةٍ في حياتها شعرت أنّ قيمتها لا تُقاس بملامحٍ لا تراها ولا بمالٍ لم تسعَ إليه بل بما تحمله في داخلها من روحٍ صافية وعقلٍ متّزن… تعلّمت أن تثق بعد طول حذر، وأن تستمتع باللحظات الصغيرة؛ بضحكةٍ صادقة، بكوب شايٍ دافئ، بخطواتٍ متجاورة في مساءٍ هادئ… أحسّت بالحياة تتسرّب إليها رويدًا رويدًا بعدما كانت تبدو لها بعيدةً وغريبة كمدينةٍ

تُسمَع ولا تُرى.

وفي أحد الأيام بلغ والدها خبرُ رجلٍ ثريّ يقتسم ماله مع الفقراء ويصرّ على أن يعيش حياةً متواضعة بعيدةٍ عن الأضواء… خفق قلبه فجأةً حين علم أنّ ذلك الرجل لم يكن سوى صهره.

وفي مساءٍ مثقلٍ بالدهشة قصد بيتهما وعندما فُتِح له الباب رأى رجلًا هادئًا، وقورًا، تتجلّى الثقة في نبرته وسكونه… وإلى جواره وقفت ابنته… مختلفة… ساكنةً في حضورها… ثابتةً في وقفتها… وعلى شفتيها ابتسامةٌ وديعة تُشبه نورًا لا يحتاج إلى عينين… كانت تمسك بيد زوجها بثبات وللمرة الأولى منذ سنوات لم يكن في قبضتها ارتجافة خوف.

قال الزوج بصوتٍ رزين:

«لم أكن فقيرًا يومًا… أردتُ فقط إنسانةً ترى بقلبها لا بعينيها… وقد وجدتها».

التفتت الابنة نحو

أبيها وكان في صوتها لطفٌ لا يخلو من حزم:

«وصفتني يومًا بالملعونة يا أبي… لكنّ العمى علّمني أن أرى القيم الحقيقية… ما يعظّم الإنسان ليس مظهره ولا ثروته بل قلبه».

سكت الأب وقد ارتدّت إليه كلماتها كمرآةٍ صافية تعكس أخطاءه وقسوته وعمى بصيرته الذي كان أشدّ ظلمةً من عينيها فأدرك متأخرًا أن القيمة التي بحث عنها في الوجوه والأموال كانت كامنةً في الحبّ والرعاية واللطف… تلك الصفات التي حرمها منها طويلًا.

أما هي فقد تبدّلت حياتها إلى الأبد… لم تعد تخشى العالم بل صارت تلمسه من خلال قلوب الناس وتراه بإحساسٍ أصدق من كل الأبصار.

وللمرة الأولى شعر والدها بالفقد الحقيقي؛ إذ أدرك أن الحبّ لا يُشترى… وأن اللطف لا يُفرض… وأن ما يُهمل

في زمنٍ ما قد لا يعود أبدًا.

تم نسخ الرابط