روايه قطعة من خافقي كاملة حتي الفصل الاخير لياسمين الهجرسى
الحلقة الثانية
قطعة من خافقي
أحيانا تأخذنا الحياة إلى لحظة فارقة لحظة يتوقف فيها الزمن فلا نرى أمامنا إلا وجوه أحبتنا ولا نسمع إلا دقات قلوبنا المذعورة.
في تلك اللحظات ندرك أن الإنسان ضعيف مهما بلغ من قوة وأن الحياة خيط رفيع يتأرجح بين يد الله وقدره.
في الخارج هناك قلوب تنبض بالدعاء ودموع تفيض خوفا من فقد لا يحتمل.
وفي الداخل... جسد يئن يرفض أن يستسلم ويصارع الموت بصمت.
كل رصاصة لا تصيب جسدا فقط بل تصيب عائلة كاملة تهز أرواحهم وتترك فيهم ندوبا لا تبرأ.
راكان... لم يكن مجرد ابن ولا أخ ولا حبيب بل كان قطعة من خافق كل من حوله.
ولهذا حين اخترقت الرصاصة صدره نزف الجميع معه.
دموع الأب وانكسار الأم صرخة الزوجة ارتجاف الأصدقاء... كل ذلك كان مرآة لوجع أكبر من أن يحتمل.
لكن... بين أنين الأجهزة الطبية وصوت الصدمات الكهربائية هناك دائما أمل.
أمل أن يعود الصوت الذي أحببناه أن تفتح العين التي أغلقت فجأة أن يبتسم الوجه الذي أشرق حياتنا.
هذه الليلة ليست مجرد انتظار... إنها امتحان للقلوب امتحان للصبر والإيمان.
فهل سيكتب لراكان أن ينهض من جديد أم ستكون هذه بداية الفقد الذي لا عودة بعده
بداية الحلقة
الجدران بيضاء جامدة كأنها جدران مقبرة باردة مثل سنواتها التي ضاعت في غياب ابنها.
الإنارة القاسية تصبغ المكان بلون الموت ورائحة المطهرات تخنق أنفاسها كأنها سم يتسلل إلى صدرها.
كل شيء ساكن إلا قلبها الذي يضج بالعواصف يصرخ في صمت ويتفتت في كل ثانية تمر.
كريمة وقفت كظل بلا جسد أم أنهكتها السنون نزعت منها فرحتها يوم انتزع راكان من مهده.
منذ ذلك اليوم والبيت صحراء جرداء الجدران تبكي صمتا الوسادة تبكي دموعها والأحلام تساقطت مثل أوراق شجرة ذابلة.
جفت دموعها لكن الأمل لم يجف. ظلت تبحث عنه ليلا ونهارا في ملامح الغرباء في أصوات الأطفال في كل طريق يعج بالخطى.
كانت ترى كل صبي كأنه هو حتى إذا اقتربت صفعتها الحقيقة كريح باردة فعاد قلبها إلى نزفه الأبدي.
والآن ها هو القدر يعيده إليها بعد حرمان العمر كله لكنه يلقي به أمام الموت ليختبر قلبها المنهك مرة أخرى.
الباب المغلق أمامها بدا كجدار عظيم يبتلع أنفاسها ويسقطها في هاوية الانتظار.
تتنفس بمرارة كأن الهواء شوك يغرس في صدرها.
أسندت رأسها على الحائط البارد ثم خرج صوتها ضعيفا مبحوحا مكسورا
يا ريتني يا ابني كنت شميت ريحتك وإنت بيبي كنت غطيتك وأنا بسمع دقات قلبك الصغير.
شهقت بحرقة وارتجفت كلماتها
يا ريتني كنت شوفت هدومك مرمية في أوضة النوم كنت أزعق من بعثرتك وأضحك عشان البيت مليان بيك.
يا ريتني شوفتك وإنت في ابتدائي شنطتك أتقل منك ترميها وتجري علي.
اغرورقت عيناها أكثر وصوتها انكسر كزجاج مهشم
كنت بحلم أشوف شنبك وهو بيطلع تفرجني وتقول ماما بصي أنا كبرت.
يا ريتني شفتك عريس لابس بدلتك ضحكتك ماليه الدنيا.
كنت نفسي أشوف مراتك أشيل عيالك أعيش الفرح اللي اتحرمت منه سنين طويلة.
انهارت أكثر وضغطت بيدها على صدرها كأنها تمسك قلبها حتى لا يسقط
ليه يا رب ليه العمر كله يضيع وأنا مستنية اللحظة دي ولما تيجي آخرك آخده مني تاني
يا رب ما تحرمنيش منه مرتين يا رب خليه يعيش خليه يعيش.
وبقيت هناك كتمثال مكسور أم محروقة تنتظر خلف باب بارد بين رجاء لا ينطفئ ووجع لا ينتهي.
سارت إلى ركن قصي من الطابق كمن تهرب من أعين البشر إلى مواجهة
وقفت كريمة لا تجد في جسدها متسعا للهواء وكأن الأكسجين هجر هذه البقعة بعد أن دخله راكان مصابا.
كان صدرها يعلو ويهبط كعصفور اختنق في قفص ضيق وقدماها بالكاد تحملانها لكنها تأبى السقوط الم جسدها يدعوها للجلوس الراحة سقطت عينها على المقعد.
الكرسي بجوارها ظل شاهدا صامتا على وجعها حدقت فيه طويلا ثم حدثته بلسان قلبها كأنه إنسان يسمعها ويشعر بأنينها
أنا اللي استنيته واقفة طول السنين بحلم أشوف طيفه أسمع صوته
مش هقعد دلوقتي وهو بين الحياة والموت قدام عيني.
أنا هفضل واقفة عند الباب ده يمكن يفتح وأحضنه يمكن يقولي
أنا رجعتلك يا أمي.
يمكن يترمي في حضني زي طفل صغير يمكن يقولي
أنا بخير متخافيش.
لم تكن كريمة تبكي لا لضعف بل لأن الوجع تخطى حدود الدموع.
هي لا تبكي الآن لأنها بكت عمرا كاملا بكت حتى جفت مآقيها وصارت كالصحاري اليابسة.
بكت وهي تحلم كل ليلة بصوت لم تعرفه ووجه لم تره منذ أن كان رضيعا.
رفعت عينيها إلى السقف كمن ترى أبواب السماء مشرعة أمامها تفيض بالنور تنتظر أن يستجاب لها.
ثم انطلقت من أعماقها مناجاة مرتجفة كسكين يجرح القلوب
يا رب يا رحيم أنا أم وما فيش قلب على الأرض أوجع من قلب أم.
يا رب إنت اللي جمعتني بيه بعد سنين الحرمان ما تفرقناش تاني.
يا رب أنا عشت العمر كله أتوجع وأصبر بس دلوقتي مش قادره.
خليه يعيش يا رب خليه يعيش عشان قلبي يرتاح.
أنا ماليش غيره ماليش غيره يا رب لو أخدته مني هعيش على إيه
خليه يعيش وأنا أتحمل أي حاجة حتى لو العمر كله وجع.
وسقطت الكلمات من فمها كأنها دماء تنزف وانحنى جسدها قليلا كغصن شجرة مثقل بالريح.
لكنها تماسكت وأسندت ظهرها إلى الجدار البارد تتشبث بالحياة كما تتشبث يد الغريق بخشبة عائمة في بحر هائج.
أم ظلت تناجي السماء بكل ما بقي لها من روح وتنتظر
تنتظر معجزة.
أغمضت عينها يمر أمامها شريط حياتها من يوم فراقها بأبنها راكان كأن الزمن قرر أن يعيد عرضه في لحظة واحدة لكي يزداد ألم قلبها .
تذكرت نفسها زوجة محطمة قلبها مكسور مثل زجاج لم يجمع بعد.
زوج خان العهد وأغلق قلبه عنها ودفن الحب في بيتها تحت ركام من قسوة وجفاء.
لم يكتفي بقسوته عليها بل قسم القسوة على بناته وتركها تواجه قسوة العمر وحدها وهي تري أن حياتها تجرفها إلي بحر أسود صبغت مياة سنوات عمرها.
لم يسلم والديه من ظلمه عقابهم بالعقوق لأنهم اختاروها له زوجة وكانت النتيجة زواج عقيم من المودة.
عاشت حزينة منكسرة صابرة على بلاء ربها راضية بما كتب لها تنتظر ساعة رحمة تنتظر قرة عين تأتيها من حيث لا تدري.
وحين جاء راكان
حين عاد بعد الغياب الطويل تغيرت كريمة.
لقد صار وجهها مشرقا رغم إقبالها على سن اليأس.
صار قلبها أخف كريشة تلاعبها الريح.
الليل لم يعد موحشا لأن في صدرها عطر بإبنها وفي عينيها صورته وفي ضلوعها رائحته.
راكان لم يكن ابنها فقط كان إنقاذا متأخرا من رب كريم يعلم كم صبرت ويعرف كم انكسرت فأراد أن يجبرها.
لكن الآن
الابن العائد النور الذي أضاء عتمتها يرقد خلف باب مغلق يصارع الموت وهي واقفة لا تملك سوى أن تحبس أنفاسها وتنتفض من شدة الانتظار.
لم تكن تهمس بدعاء كانت تموت بصمت.
تتضرع بنبضها تتوسل بعروقها المرتجفة تناجي الله في سرها بصوت داخلي ممزق
يا رب أنا ما طلبتش غيره.
ما حلمتش بفلوس ولا بجاه ولا حتى بحب من مخلوق.
أنا عشت بعيون ضايعة وقلب ناقص سنين
رجعته لي ليه تاخده مني
شهقت بصوت عالي ثم استغفرت بسرعة وهي تضرب صدرها بيد مرتعشة
أستغفرك يا ربي أستغفرك وأتوب إليك سامحني على الكلمة زلت لسان يارب أنا راضية بقضائك وقدرك
بس أنا مش قادرة يا رب مش قادرة استحمل وجع تاني انت اللي عالم بحالي وانا عشمانة في كرمك ماتقلش شيلتي يارب أنا ماليش غيرك اتعشم فيه وارمي حمولي عليه انت عالم
لو راكان راح هفضل أتنفس بس مش هعيش.
أنا من غيره جسد بلا روح حجر بيتدحرج في الدنيا وما يعرفش يقف يارب لو خد عمري قبل منه مش هستحمل.
كل لحظة تمر كانت شوكة في حلقها جلدا على صدرها حديدا ساخنا في دمها.
كانت تتخيله صغيرا كما فقد أطرافه ترتعش يبحث عن صدرها المفقود.
وتخيلته شابا كما عاد يمسك بيدها حين أنهكها التعب يقبل رأسها ويقول بصوته الذي كان يزلزل قلبها
أنا جنبك يا أمي متخافيش من حاجة تاني... ربنا يدني العمر واعوضك عن كل اللي فات.
لكن لا صوت له الآن لا يد تربت على كتفي.
فقط دم على السرير ونبض معلق على غرفة عمليات يصارع فيها قلبه بين الحياة والموت.
كريمة التصقت كفيها بالجدار كأنها تبحث فيه عن منفذ كأنها تريد أن تذيب صلابته لتزحف من خلاله إلى ابنها.
نادته باسم صار نشيد حياتها كلمة حفرت على لسانها من كثرة ما رددتها في وحدتها
راكااان يا روح قلبي يا حضني اللي ما ضمنيش
لكن الجدار كان أخرس لم يرد عليها سوى صدى مبحوح رجع ليطعنها من جديد.
ارتجف جسدها كأن كل خلية فيه تذكرت الجرح الأول حين خطف منها رضيعا.
هي الآن لا تعيش لحظة واحدة بل تعيش موتين موت الفقد وموت الانتظار.
ومع ذلك لم تهتز عيناها عن الباب.
لم تكن تنتظر طبيبا يخرج ليقرأ عليها تقريرا باردا ولم تكن ترجو كلمات مرقمة على ورق.
كانت تنتظر شيئا آخر شيئا فوق العقل والمنطق كانت تنتظر معجزة.
مرت الدقائق كأنها سياط تنزل على صدرها.
كل دقيقة كانت خنجرا جديدا يغرس في قلبها وكل ثانية كانت كأنها عمر كامل من الحريق.
يدها تمس صدرها كأنها تخشى أن ينهار قلبها قبل أن ينهار قلب ابنها في الداخل.
دموعها لم تعد دموعا صارت قطرات دم تنحدر من عينيها تنزل على أصابعها المرتجفة لتشهد على أم تحترق بصمت.
وبينما كريمة غارقة في بحرها تقدمت أبرار.
خطواتها كانت بطيئة لكنها لم تكن خطوات إنسان يمشي على أرض.
كانت كأنها تسير فوق زجاج يتشقق تحتها أو على جمر ملتهب يحرق قدميها.
اقتربت من الباب وقفت أمامه لم تبك
لكن في عمق عينيها كان بركانا يزمجر.
كانت نظرتها وحدها كافية لتقول
أنا مش محتاجة دموع أنا اتحرقت من جوا بما يكفي.
كريمة كانت تغرق في سؤال واحد يجلدها
هل تبكي على طفل ضاع منها منذ عشرين عاما أم تبكي على رجل يسحب الآن من بين يديها إلى عالم الغياب
هي لم تعرف ولم تعد تريد أن تعرف.
وفجأة هز الممر هرولة الأطباء كأنهم جيش صغير يركض إلى معركة.
انفتح الباب وانغلق بسرعة
الجدران ابتلعت الصوت ابتلعت أنينه وصدى الأجهزة صار مثل نعيق غربان يقترب ثم يبتعد يخفت شيئا فشيئا.
شهقت كريمة وانحنت بجسدها المنهك.
سقطت على ركبتيها كأن الأرض سحبتها عنوة.
يدها على فمها تكتم صرخة وقلبها يتفتت إلى ألف قطعة.
الأبواب أغلقت والأمل معها أغلق.
وحين خمدت شهقتها في صدرها اشتعلت نار أخرى.
النار لم تكن في كريمة هذه المرة
بل في أبرار الأم التي ربت ابن لم يكن ابنها... عمر لأمومة ما كانت يوم مرتبطة بالدم
الأمومة حاجة أوسع أعمق هي اللي تزرع الحنية في قلبها حتى لو الجنين ما كانش خرج منها.
الأم الحقيقية مش دايما اللي ولدت الأم الحقيقية هي اللي ربت اللي سهرت اللي اتوجعت اللي وقفت قدام الدنيا كلها عشان تحمي طفل مش من لحمها ودمها لكن من روحها ونبضها.
فيه ستات كتير ولدت لكن ما حضنوش ما حسوش ما سهرواش على سخونية ولا على كوابيس طفل.
وفيه ستات ما ولدوش . الأم الحقيقية مش اللي جابت الأم الحقيقية هي اللي قلبها يبقى بيت وكتفها يبقى وطن ونبضها يسابق نبض ابنها من شدة الخوف عليه.
هي اللي لما الدنيا تظلم تبقى هي المصباح ولما يترنح تبقى هي السند.
وكريمة كانت الصورة الصافية لتلك الحقيقة
لكن بجوارها كانت أبرار الوجه الآخر لمعنى الأمومة.
أبرار اللي ما شالتش راكان في رحمها لكنها شالته في حضنها من أول يوم.
كبر معاها مش كابن ملجأ لكن كقطعة من نفسها.
كانت تشوف في عينه جواب الأسئلة اللي ما لهاش إجابة ليه الدنيا قاسية كده
وكان يكفيها إنه يبتسم علشان تصدق إن الرحمة لسه موجودة في العالم.
وقفت أبرار قدام باب العمليات كأنها واقفة قدام خصم سرق عمرها خصم بتتمنى تكسره بيديها.
ما صرختش ما بكتش
لكن جواها كان فيه بركان بينفجر نار محبوسة ورا شفايف مطبقة.
همست لنفسها بصوت مبحوح مسموع بس لقلبها
يا رب هو مش كفاية مش كفاية اللي اتسرق من عمره
مش كفاية الدموع اللي نزلت من عنينا
إزاي بعد ما رجع أمه بعد ما رجع ليا يرجع يضيع تاني!
ارتجفت وضمت قبضتها حتى سال بياض أصابعها من شدة الضغط.
وجهها فقد الدم لكن قلبها كان يغلي دم.
كانت واقفة كأنها تمثال من حجر لكن الحجر من جوه مشتعل.
الممر الأبيض الطويل ما كانش أوسع من وجعها.
الجدران الباردة ما كانتش أبرد من الرعشة في عروقها.
والأبواب المغلقة ما كانتش أقسى من باب الصدر اللي بيتقفل على قلبها كل ثانية.
كريمة جثت على ركبتيها تبكي اللهفة والفقد
وأبرار وقفت صامدة لكن صمتها كان سقوط بطيء سقوط امرأة بتحاول تتمسك بالثبات وهي بتنهار من جوه.
كأن الهواء تحول إلى سكاكين يقطع صدرها كل مرة تحاول تاخد شهيق.
كأن الممر الأبيض اتقفل عليها وما بقى إلا هي وصرخة محبوسة.
لم يكن راكان مجرد طفل تبنته من الملجأ
كان حياة جديدة كتبت لها من السماء.
ربته بقلبها لا بورق ولا بقرار.
خافت عليه كما لا تخاف الأمهات وسهرت كما لا يسهر العشاق.
ضحت بطمأنينتها لأجله وبكت في صمت كل مرة تعثر.
كانت تسترق النظر إلى ملامحه وهو يكبر كأنها تتأكد أن الحياة لم تخدعها أن العطاء لم يذهب سدى.
تذكرت كلمتها له في يوم عادي وهي تقص له شعره في غرفة صغيرة يغمرها نور العصر
إنت مش ليا بس يا راكان إنت هدية ربنا لقلبي لروحي مش لبيتي.
وكان يضحك ويهز رأسه كطفل لا يدرك عمق الكلمة
لكنه صدقها وهي صدقت أكثر.
أما الآن فالهدية بين أيدي القدر تصارع الموت
وأبرار واقفة قلبها يتهشم على صمت الأبواب المغلقة.
حين أحب وتين كانت أول من عرف ولم تغضب
بل شعرت أن قلبه قد نضج بما يكفي ليعشق وتلك كانت مكافأتها من الحياة أنا من ربته على عينيها يكبر ويحب ويختار والآن
ها هي واقفة في منتصف ممر المستشفى تقف كأن جذورها ممتدة في الأرض متشبثة بالبقاء لكن أغصانها متهالكة من الريح العاتية.
كل نفس يخرج منها كان أشبه بزفرة جبل يحمل على كتفيه أثقال السنين.
البرودة المحيطة لم
كانت تعرف أن الزمن قد سلب منها الكثير لكنها لم تتصور أن يسلبها ما تبقى