روايه قطعة من خافقي كاملة حتي الفصل الاخير لياسمين الهجرسى
هيقع معاهم نص الرجالة اللي في المستشفى. ربنا يستر.
ورد بصت لها بغضب مشوب بحزن
أنا مش قادرة أقرب منه ماما. واقف كأنه حجر بس أنا عارفة عارفة إن قلبه بيتفتت جوه. إزاي أروح له وهو بالشكل ده
سكتت لحظة وبعدين غصب عنها دموعها سالت وهي بتبص على زياد من بعيد.
حاولت تكتم شهقتها لكن صدرها كان بيرتعش.
فهيمة اللي طول عمرها كلامها دبش وقاسي ما قدرتش تمسك نفسها.
اتزحزحت في مكانها غرزت عينها في زياد كأنها شايفه مش بس جوز بنتها لكن كمان ابن عمتها راكان وهو جوه بين الحياة والموت.
وقالت بصوت مبحوح لأول مرة يخلو من السخرية
يا ويلي يا راكان ما تسيبش الناس دي تتفرط كده.
وغرق وشها في الدموع من غير ما تاخد بالها إنها لأول مرة قالت كلمة صادقة من قلبها من غير ما تكون دبش.
داخل غرفة العمليات ليلا أجواء مشحونة بالتوتر والقلق
صمت ثقيل خيم على المكان وكأن الزمن نفسه قد توقف لحظة توقف قلب راكان.
بيد مرتجفة لكنها معتادة على مصافحة الموت صرخت الطبيبة شغف
النبض اختفى... القلب توقف!
سكون قاتل كل العيون تتجه للشاشة
الخط استقام الموت يمد يده.
تتابعت الأوامر كالرصاص
شحن الصدمة! ٢٠٠ جول... الآن!
جسده يرتجف فوق السرير مع الصدمة الأولى
لكن الشاشة ما زالت قاسية
أحد المساعدين يهمس مافيش استجابة
ترتفع أضواء جهاز الصدمات الكهربائية يلتف الجميع حول جسده المسجى كأنهم يحاصرون الحياة المتقلصة فيه يحملونه من بين أنياب الغياب وتلك الشاشة المسطحة كأنها تهين كل من في الغرفة
داخل روح راكان لحظة فاصلة
في عمق اللاوعي حيث لا ضوء ولا جسد فقط صوت الذكريات...
صوت ضحكة وتين الصغيرة وهي تخبئ قميصه بين ثنايا خزانتها صوتها وهي تقول له مش بنام غير في سريرك!
صوت أبرار وهي تضمه بعد أن اختنق بكاء على كتفها يوم كسرت غرفته أمام زفافه المجبر عليه.
صوت جلال غاضبا يعيد مشهد شجاره دفاعا عن كريمة
نظرة والده أحمد الشاذلي وهو يقول له إنت مش بس ابني إنت ظهري في الدنيا يا راكان.
ثم تأتي كريمة عيناها تغرقان بالرجاء
اللي أطلبه منك تعمله... بس متزعلنيش.
داخل غرفة العمليات
صرخة الطبيبة شغف تمزق الصمت هي تعتبر راكان مثل أبنائها
صدمة تانية! الآن!
الشاشة تومض
جسده يقفز فوق السرير كأن روحا تنازع أخرى داخله.
اللحظة مشتعلة
الوقت ينهار كحبة رمل في قاع الساعة
وكل من في الخارج معلق بأنفاسه ينتظر.
الطبيبة شغف تهمس لنفسها بقهر ورجاء وقد غشت الدموع عينها
راكان ماينفعش تروح كده لسه فيك حكايات ما تكتبتش قوم يا راكان وتين هتموت فيها كريمه وابرار مش هيستحملوا قوم يا راكان أنا وعدتهم أنك تقوم بسلامة أنا عارفه انك قوي قوم يا راكان صوتها جعل كل من في الغرفة يبكي معها عليه.
للشاشة تومض
ذبذبة خفيفة كأنها رجفة حياة كأن القلب ذاته قد قرر أن يقاتل.
يرتفع الخط فجأة
ضوء أخضر ينبض على الشاشة
دقات ثم دقة ثم نبض.
صرخ أحد الأطباء
عاد النبض!
وفجأة
الهواء يعود لصدور الأطباء دفعة واحدة.
ترفع شغف عيونها الي أعلي احمد الله على عودة للحياة
يالا بسرعة مافيش وقت ووتكمل هي وطاقم الأطباء العملية
لكن في الخارج
الممر طويل أضواؤه شاحبة كأنها مصابيح مقابر. الوجوه متيبسة كل عين معلقة على الباب. كريمة تقبض على مسبحتها كأنها تمسك بطوق نجاة صبا متجمدة على المقعد زياد واقف يترنح بلا كلمة يونس يذرع الأرض غضبا كذئب جريح وأبرار تجلس على حافة الكرسي تدفن رأسها بين كفيها والدمع يتساقط رغما عنها.
أما وتين فقد كانت أقربهم إلى الباب. واقفة ظهرها محني قليلا كأن روحها تسحب من صدرها. كل ثانية تأخير تنحت في قلبها حفرة جديدة. لم تكن تسمع من حولها لا صرخات ولا دعاء كانت تسمع صدى واحدا صوت الطبيبة من بعيد يتردد في عقلها القلب توقف.
كلمة واحدة أحرقت عمرا كاملا.
وتين لم تشعر بساقيها كأنها تقف على هاوية. عيناها جاحظتان تبحثان عن أي مخرج أي منفذ يعيد لها أنفاسها. ثم بصوت مبحوح لم يسمعه أحد لا مش هو مش راكان مش ممكن يموت.
رأسها تترنح والصور تنهال عليها بلا رحمة.
تراه في طفولتها هو الذي كان يربط شعرها ويضحك حين تعترض إنت بتعوج ضفايري يا راكان! تراه يوم سقطت على ركبتها وهو يمسح دموعها ويقول ما تعيطيش أنا موجود. تراه وهو يحمل حقيبتها المدرسية ويشد أذن أي ولد يضايقها. تراه في ليالي خوفها يجلس بجانب سريرها حتى تنام. تراه الآن جسدا ساكنا بين يدي الموت.
وتين شهقت شهقة طويلة كأنها لفظت روحها. انحنت على صدرها تمسك قلبها همست يا رب خد عمري وسيبه يا رب خليه ده كل اللي عندي.
كريمة التفتت
لكن وتين انفجرت صرخت بوجهها بخير! إزاي بخير وقلبه وقف! إزاي!
ارتدت الكلمات كالسكاكين في صدر كريمة سكتت وعيناها تدمع.
صبا بكت بصوت مرتجف كفاية يا وتين حرام عليك.
لكن وتين لم تعد ترى أحدا. كانت تبكي وتضحك في آن كالمجنونة كان بيقول لي أنا مش هسيبك فين الوعد دلوقتي يا راكان فين
يونس اقترب يحاول إمساكها لكنها دفعت يده بقوة سيبني! سيبني أصرخ سيبني أموت معاه!
صوت الباب يفتح فجأة.
الطبيب خرج مبلل بالعرق قفازاته متدلية وجهه شاحب. وقف الجميع في لحظة واحدة حتى أنفاسهم توقفت.
قال الطبيب بصوت هادئ عملنا كل حاجة القلب رجع يشتغل لكن الحالة حرجة جدا. الساعات الجاية هي الفيصل.
انفجرت كريمة تبكي وتشهق يعني إيه! يعني لسه ممكن!
يونس صرخ ورمى سترته أرضا ركل الجدار بقبضة دموية حرام عليك يا رب! حرام تسيبه يتعذب كده!
صبا وقعت في حضن أمها تبكي وتقول مش عايزة أفقده تاني مش عايزة.
أما وتين فلم تسمع كلمة بعدها. كل ما وصلها الحالة حرجة. ترجمتها روحها هو بيموت.
خطت خطوتين للوراء عيناها زائغتان يداها ترتعشان ثم همست أنا قلبي وقف بره مش قادر مش قادر.
ثم ارتطم جسدها بالأرض.
صرخ الجميع وتييييييييين!
يعقوب اندفع أولهم رفع رأسها بين يديه صرخ في الطبيب الآخر بسرعة! الحقوها!
كريمة بكت وهي ترى ابنة شقيقتها تسقط بجوار خبر موت ابنها.
الممر كله تحول إلى مأتم حي كل نفس ثقيل كل عين غارقة. بين