روايه قطعة من خافقي كاملة حتي الفصل الاخير لياسمين الهجرسى

لمحة نيوز

من روحها.
سنوات طويلة قضتها في تربية راكان لا كواجب بل كمعجزة.
كانت تنظر إليه وكأنها تسترد من خلاله نفسها كأن كل لحظة عاشها بجوارها كانت تعيد إليها ملامحها الضائعة.
والآن اللحظة نفسها تهدد بأن تنتزع منها المعنى الذي أبقاها على قيد الحياة.
لم يكن الصمت حولها صمتا عاديا بل صمتا كثيفا يضغط على أذنيها كأنه جدار يفصلها عن العالم.
وكان قلبها هو الصوت الوحيد يدق بقوة يصرخ في داخلها يتوسل النجاة.
كل خفقة منه كانت تحمل صورة وجهه وهو يضحك صوته وهو يناديها يده الصغيرة تتشبث بمعصمها.
أغمضت عينيها للحظة فرأت حياتها كلها تنحصر في مشهد واحد
طفل وجدته في عالم قاس فاحتضنته وصار هو دفء أيامها.
رجل صار سندها وأمانها الوحيد.
ثم باب مغلق وحياة معلقة بخيط رفيع.
هي لم تكن تبكي لأن الدموع صارت أضعف من أن تترجم وجعها.
كانت كالجبل يتشقق من الداخل بينما سطحه صلد لا يظهر شيئا.
لكن في داخلها كانت تتفتت صخرة بعد أخرى حتى كادت أن تصير رمادا يتناثر مع كل دقيقة انتظار.
وكلما سمعت وقع خطوات طبيب أو ارتجاف نقالة تمر من الممر كان قلبها يتوقف للحظة.
كأنها تعيش ألف موت في كل ثانية ثم تجبر نفسها أن تعود للوقوف من جديد لأن السقوط الآن يعني النهاية.
هي لم تكن واقفة أمام باب غرفة عمليات
كانت واقفة أمام باب مصيرها كله.
رفعت إيدها المرتجفة حطتها على صدرها على مكان الوجع اللي ساكنه اسمه.
كأنها عايزة تتأكد إن الحروف لسه محفورة راكان ما اتمسحتش رغم الليالي والوجع.
ابتلعت ريقها بالعافية وهمست بصوت واطي عامي مش طالع غير من قلب بينزف
لو كنت أنا اللي جوا كان أهون عليا من كده بس إزاي يبقى هو!
ده مش ابني وبس ده أنا اللي ربيته ده أنا اللي عملته راكان اللي واقف على رجليه.
ده أنا اللي حضنته لما كان بيترعش وهو صغير أنا اللي كنت أدفي إيديه في إيديا وأغطيه بقلبي مش ببطاطين.
أنا اللي كنت أبص له وهو نايم وأقول ده هدية ربنا ليا ده عمري اللي ربنا رجعهولي في صورة طفل.
شهقت شهقة صغيرة والهوى اللي دخل كان مر كأنه نار داخلة بدل الأكسجين.
غمضت عينيها لحظة وشافت صور متقطعة
راكان وهو صغير بيجري في الممر بيضحك ويقع وهي بتجري تشيله.
راكان وهو مراهق بيرمي شنطته على الكنبة ويقول لها أنا جعان يا ماما.
راكان وهو شاب واقف قصادها بيقول 
ما تخافيش عليا أنا جامد.
فتحت عينيها بسرعة كأنها بتطرد الصور قبل ما تقتلها.
رفعت راسها للسقف وهي بتكلم ربنا بصوت مسموع المرة دي دمها بيغلي في عروقها
يا رب إنت عارف هو عندنا ايه احنا من غيره هنضيع.
يارب زي ما منيت عليا به رد ليا سالم يارب عيوني ما تبكيش على فرقة تاني.
إنت ما حرمتنش منه حتي بعد أهله رجعوا له بعد سنين حرمان ليه ليه دلوقتي بتختبرني!
أنا مش قد الاختبار ده أنا مش قد أشوفه يتاخد مني.
سكتت فجأة اتسندت بيدها على الحائط الباردة تشعر إن الثلج الذي بها قد يحاول سرقه نارها المشتعلة داخل جسدها.
همست تاني لكن هذه المرة لم تكن لله عز وجل بل كان كلامها لراكان ترسل له رسالة لعلها تصل إلي باطن عقلة فتجعلة يتشبث بالحياة
يا حبيبي أنا واقفة بره مستنياك.
إوعى تسيبني إوعى تمشي.
أنا عشت عشانك وهاعيش بيك.
ولو مشيت هتدفنني وأنا واقفة.
الجملة الأخيرة خرجت مثل طلقة كسرت السكون
الذي يعشش في الممر.
الممرضات مروا لكن محدش قدر يقرب كأن في هالة من وجع محاطة بيها وجدار من نار يمنع أي روح تلمسها.
وفي هذه اللحظة كانت أبرار في منتصف كل شئ لا تقف ولا تسقط كانت تنزف بصمت.
كانت أم مش بالدم لكن بالوجع.
وكان الوجع أكبر شهادة إنها أم حقيقية يمكن أكتر من أي أم أنجبت.
الجميع كان بيصرخ بيبكي بيتعلق بخيط من الرجاء إلا هي الحاجة فردوس.
جالسة في آخر الركن كأنها منسية عمدا لكن في الحقيقة هي مركز الدائرة كلها.
العيون تروح وتيجي على الأطباء على كريمة على أبرار إلا عيون فردوس.
هي معلقة بس على الباب الأبيض الباب اللي بلع حفيدها وسابها برا.
شكلها من بره كان صلب صامد كأنها جبل عتيق قاوم الزلازل والرياح.
لكن من جوه الجبل ده كان بيتهد صخرة صخرة وبينزف حمم من الصمت.
راكان مش حفيد عادي راكان كان وعد من السما كان استجابة لدعوات سنين طويلة كان النور اللي دخل بيتها وهي كانت فاكرة إن خلاص العمر سرقها والليل مالوش آخر.
كم مرة رفعت إيديها في نص الليل وهي بتقول يا رب رجعلي ضنايا رجعلي حاجة تفرح قلبي قبل ما أروح لك.
كم مرة أجهشت تبكي وهي لوحدها ثم مسحت دموعها علشان محدش يشوف ضعفها.
كانت أم تانية أم بالوجع أم بالانتظار أم بالدعاء اللي ما بينامش.
دلوقتي وهي قاعدة في ركن المستشفى الدعاء ما بقاش كلام الدعاء بقى تنهيدة من صدرها وجع مكتوم بيتسرب مع النفس.
دموعها ما نزلتش على خدها لأ دموعها غرقت جواها رجعت للروح وطفت نارها بدل ما تطفي العين.
رفعت راسها للسما وبصت كأنها بتعاتب
يا رب أنا ما طلبتش دنيا ولا مال ما طلبتش بيت كبير ولا طلبت غير ستر عيالي.
كل عمري بدي كل عمري بساعد كل عمري بلملم كسور الناس
وأنا مين هيلم كسري
شهقت وصوتها طلع مهموس محدش سامعه غير ربها
لو راكان راح يبقى عمري كله راح. أنا مش هتحمل يا رب أنا مش هقدر أشوف ضنايا وهو بيتسلب مني تاني.
يا رب ده حفيدي ده حتة من قلبي ده اللي جاب الضحكة لبيتي بعد ما كنت نسيتها.
يا رب لو الموت كاتبله خدني معاه خليني جنبه ما تسيبنيش عايشة بعده.
كان نفسها تصرخ بس كرامتها كبلت صوتها.
الجدة اللي طول عمرها عمود البيت واللي ما تكسرتش قدام بناتها ولا أحفادها كانت دلوقتي جوهها بيتكسر ألف مرة.
إيديها المرتعشة حطتها على ركبتها تضغط جامد كأنها بتمنع نفسها تقوم وتكسر الباب بإيديها.
همست تاني بصوت مبحوح عامي متقطع
يا ضنايا يا راكان ما تسبنيش ما تسبنيش أعيش الدنيا دي فاضية من غيرك.
أنا استنيتك سنين ما ينفعش تيجي وترجع تمشي.
ما ينفعش تخلي روحي تتعلق بيك وترجع تحرقها.
تجلس في الركن كأنها ظل جبل.
كل اللي حواليها بيعيطوا ويصرخوا لكن هي ساكتة.
سكوتها مش عجز سكوتها كان زي بحر عميق الموج جواه هايج لكن السطح هادي.
عينيها ما فارقتش باب غرفة العمليات لحظة.
ما كانش باب عادي بالنسبة لها كان باب بين الحياة والموت.
وكان قلبها واقف على العتبة لا داخل ولا خارج.
هي ما سألتش ليه يا رب
ما اعترضتش ما خاصمتش السما.
هي كانت عارفة إن اللي خلق راكان أحن عليه من قلبها وأرحم بيه من الدنيا كلها.
رفعت راسها للسما وغمغمت بصوت خافت
يا رب أنا عارفة إنك أرحم بيه مني وإنك أدرى بضعفه مننا كلنا.
بس أنا ست كبيرة قلبي اتعلق بيه من يوم ما فتح عينيه في
حضني.
أنا مش بطلب يا رب إلا ستره ستره بحياته ستره بعافيته.
خليه في حياتي يا رب ما تحرمنيش من الضحكة اللي ماليه بيتي.
أنا ماليش غيرك وإنت ما بتردش حد دعالك.
حطت إيدها المرتجفة على قلبها وقالت تاني
لو مقدرتش يا رب تديني العمر الطويل اديهوله هو.
خلي شبابه يتهنى خلي روحه تشوف دنيا خير من اللي شفتها.
أنا راضية بأي بلاء غير فقده. أنا راضية بأي وجع إلا غيابه.
أنا عارفة إن حكمك عدل وإن رحمتك أكبر من صبري بس ارزقني قوة أحتضنه تاني.
دمعة صغيرة وقفت في طرف عينها لكن ما نزلتش.
كأنها حتى في دموعها مؤمنة كأنها عارفة إن ربنا شايف اللي في القلب من غير ما الدموع تفضحه.
وبعدين همست عامي زي ما بتكلم نفسها لكن صوتها كان رايح للسماء
يا رب إنت اللي بتقول أنا عند حسن ظن عبدي بي.
وأنا ظني بيك خير يا رب ظني إنك هترجعه ليا هيرجع لي وهو بخير.
مش هكسر قدام ولادي ولا قدام الدنيا لأني متوكلة عليك.
أهو باب الغرفة مقفول بس باب السما مفتوح.
وأنا مش عايزة باب غيره يتفتح.
وقفت وسندت على عصاها ونظرتها بقت سكينة غريبة.
مش سكينة اليأس سكينة الرضا.
كأنها بتقول في صمتها لو عاش فبرحمة ربنا ولو راح فهو وديعة عند أرحم الراحمين.
لكن رغم رضاها كان قلبها كله دعاء دعاء متشبث زي جذور شجرة غاصة في الأرض
يا رب خلي راكان معايا لا تخلي قبري أسبق قبره.
وساعتها حتى صمت المستشفى اتغير كأن الجدران سمعت وكأن الباب الأبيض ارتجف لحظة لما قلب جدة آمنت بالله وهي بتموت وجعا ولسه بتقول رضيت يا رب بس ارحمني برجوعه.
ما من أحد عرف الحاج محمد السيوفي إلا وشهد أنه رجل خلق من طينة الصبر وصيغ من ماء اليقين.
كان يمشي في الحارات القديمة كأن الزمن يهابه لا لسطوته ولا لغناه ولكن لتلك السكينة التي تسبق خطاه.
وجهه المملوء بالتجاعيد لم يكن شيخوخة فقط بل كان كتابا مفتوحا كل خط فيه آية وكل تجعيدة صلاة وكل بياض في شعره شاهد على ليل طويل قضاه ساجدا.
لقد عرفوه رجلا يبني في الأرض ليجد له بناء في السماء.
شيدت على يديه مساجد بلا أسماء وأطعمت بسببه بطون بلا عدد وسترت عورات ببركته دون أن يعرف صاحبها من سترها.
لم يكن يعطي بيده بل كان يرسل خيره خفيفا كالمطر يسقي دون أن يلفت النظر.
وإذا جلس وحده كان يرفع يديه ويقول
يا رب أنا بنيت لك بيتا في الأرض ابني لي بيتا في الجنة واهدني راكان يا رب بس رجعلي راكان.
سنوات وهو يعقد هذه الصفقة السماوية لا يطلب شيئا لنفسه لا سلطانا ولا مالا ولا وجاهة.
كان يطلب ابنا واحدا حفيدا غاب عنه العمر كله وظل يدعو أن يعود حيا.
لكن الليلة
الليلة بدا كأن كل الطرق انسدت وكل الأبواب أوصدت.
دخل راكان غرفة العمليات والباب أغلق وراءه كأنما يغلق بابا بين محمد السيوفي وقلبه.
جلس الشيخ على المقعد الخشبي العتيق في الممر.
لم يبك.
الحاج محمد لا يعرف البكاء أمام الناس لأن الدموع عنده ليست حيلة بل عبادة.
غطى وجهه بكفيه وترك أنفاسه تخرج ببطء كأنها تطفئ نارا سكنت جوفه.
همس وفي صوته حشرجة الشيخوخة والرجاء
يا رب أنا طول عمري ما طلبتش غيره. كنت أقول ارزق الفقير استر البنت أعن الأرملة وأنا راضي. بس كل ما أديت كنت أقول يمكن يا رب ترجعلي راكان. هو ده الدعاء اللي عمري ما نسيته من أول ما ضاع مني وهو عيل صغير.
النهارده
يا رب قلبي ضعيف ضعيف أوي. مش قادر أشوفه بيضيع مني تاني.
رفع رأسه نظر للباب الأبيض كأنه خصم قديم ثم قال بصوت عامي مخنوق
يا باب إنت مش بيني وبين الدكتور إنت بيني وبين عمري كله.
لو خرج راكان بخير تبقى بشرتني ولو ما خرجش تبقى قفلت عليا آخر نفس في حياتي.
أطرق قليلا ثم تنفس بعمق وعاد يحدث نفسه بصوت أقرب للرجاء
أنا غلطان يا محمد هو أنا فاكر إنني بدفع لله عشان يديني لأ لأ. أنا عارف إن ربنا أكرم من كده. بس قلبي يا ناس قلبي هو اللي بيتعلق.
راكان مش حفيد ده اللي باقي من عمري.
ده اللي كنت أصحى بالليل أدعي له وأنا مش عارف هو فين.
كنت أقول يا رب لو هو ميت ارزقني رؤيته في الجنة.
ولو عايش رجعه ليا.
هز رأسه كمن يلوم نفسه وتمتم بالفصحى
يا محمد لعل الخير فيما لا ترجو. لعل الله يختبر صدق رجائك.
ثم مال بجسده المرهق للأمام وسند مرفقيه على ركبتيه وأطلق تنهيدة عميقة جعلت من حوله يلتفتون.
نظر إلى كريمة المنهارة إلى أبرار الصامتة إلى الحاجة فردوس المنيبة ورأى أن كل واحدة منهن تصرخ بطريقة أما هو فصرخته لم تكن تخرج إلا إلى السماء.
همس ببطء وعيناه نصف مغمضتين
يا رب لو كان في عمري باقي رزق فخده وأدهوله.
لو كان باقي في صحتي يوم خده وأدهوله.
أنا مش فارق معايا أعيش لكن فارق معايا أشوفه عايش.
وفي لحظة صمت اقترب منه أحد الشباب ليسنده لكنه أشار بيده أن ابتعد وقال
سيبني يا بني ده وقتي مع ربي. سيبني بيني وبينه.
إنتو بتصرخوا وتعيطوا وأنا قلبي بينه وبين ربنا كلام ما يتقالش لحد.
عاد يسند رأسه للخلف وعيناه ترتفعان للسقف الأبيض كأنه السماء ثم قال بصوت عامي بسيط فيه ثقل العمر كله
يا رب أنا مش طالب معجزة أنا طالب رحمتك.
إنت اللي كنت معايا في الليل الطويل إنت اللي كنت بتسمعني وأنا بدعيلك بالسجدة والدمعة.
أنا راجل كبير خلاص وماليش حيلة بس ظني بيك ما تغيرش.
أنا عارف إنك هترجعلي راكان وإن ما رجعتوش يبقى انت اخترتله خير أكبر.
بس يا رب قويني أشوف الخير ده.
ثم سكت وساد الصمت الممر كله حتى بكى بعض من سمعوه.
لم يكن بكاؤهم على راكان وحده بل على رجل وقف أمام قضاء الله بقلب منكسر لكنه مرفوع الرأس.
لم يكن محمد السيوفي في تلك اللحظة جدا ينتظر حفيده بل كان وليا من أولياء الصبر يفاوض السماء لا بمال ولا بجاه بل بروح سلمت عمرها كله لله ومع ذلك ظلت تقول
يا رب ما لياش غيرك.
وبينما كل العيون شاخصة نحو الباب المغلق كان قلب محمد السيوفي وحده شاخصا نحو السماء.
يعقوب واقفا كجبل أرهقه المطر شامخا في الظاهر متصدعا من الداخل. عيناه مثبتتان على باب غرفة العمليات المغلق كأن بينه وبين الباب حبل نجاة إن انقطع ضاع قلبه إلى الأبد.
الضوء الأحمر المعلق فوق الباب ظل مشتعلا يشبه جرحا مفتوحا لا يلتئم. والهدوء القاسي في الممر لا يزيده إلا اضطرابا فقد صمتت الجدران لكن في داخله كانت العاصفة لا تهدأ.
كان راكان بالنسبة ليعقوب أكثر من أخ. كان ظله حين تاه ونديم وحدته حين ضاق به العالم وسنده حين مالت عليه الأيام. كان راكان هو البوصلة حين يفقد الاتجاه والأمان حين ترتعد الأرواح.
كان إذا توجع راكان شعر يعقوب أن الدم لم يعد يجري في عروقه بل في عروق راكان فقط.
مد يعقوب يده وسند جبهته على الجدار البارد كأنه يستمد من برودته
اتزانا يوشك أن يفقده مر شريط ذكرياته سريعا في ذهنه...
ضحكات مشتركة أسرار صغيرة أوقات مرت على عجل كل لحظة مع راكان صارت الآن كنزا يخاف أن يسلب منه كم مرة ألقى له راكان
تم نسخ الرابط