روايه قطعة من خافقي كاملة حتي الفصل الاخير لياسمين الهجرسى
المحتويات
بملف قضية وقال
دي محتاجة مخك يا يعقوب... مش عضلات
وكم مرة وجد في كلمات راكان عزاء لليال أثقلت عليه بصمتها!
الآن راكان خلف ذاك الباب جسده مسجى على طاولة جراحية ويعقوب يقف أمام الباب كأن بين كل دقة في قلبه ودقة في جهاز القلب الذي يراقبونه رابطا لا يراه إلا العارفون بمعنى الفقد.
رفع رأسه للسماء دون أن ينبس بحرف دعاؤه لم يكن بصوت بل كان بأنفاسه بخفقاته بنظراته المرتجفة يا الله... أعده إلينا سالما لاتسرق ضوء البيت لا تكسر ظهر أبرار لا تنزع مني أخي رب
وفي لحظة تنفس يعقوب بعمق مسح على وجهه شد من أزر نفسه وقال في سره
أنا واقف... علشانك. متقلقش... إنت تحارب جوا وأنا واقفلك برة... ومفيش قوة في الدنيا هتسرقك مني.
يعقوب كان واقف قدام الباب كإنه جبل مقسوم نصين. من بره واقف متماسك صدره عريض وكتفه مش باين عليهم ضعف. لكن جواه كان بيتفتت حتة حتة زي صخرة بيدقوا فيها بمطرقة من جوه مش من بره.
الضوء الأحمر اللي فوق الباب كان مولع كجرح منور زي عين مش بترمش بيبصله من فوق ويقوله
استنى بس متسألش.
إيده الشمال كانت مشدودة في جنب بنطلونه صوابعه بتتلوى من شدة القبضة. أما إيده اليمين مدها وحط كفه على الجدار البارد جنب الباب. البرودة دخلت في جلده وبعدين في عظمه لحد ما حس إنها بتستقر في قلبه.
غمض عينه وصوت جوه قال
يا رب يا رب أنا عمري ما طلبت حاجة لنفسي. كنت دايما شايف إني قوي واللي عايش مع راكان ميحتاجش يسأل غيره. بس النهاردة أنا ضعيف. ضعيف لدرجة إني مش قادر أتنفس من غيره.
سحب نفس عميق بس كأن الهوا كله اتجمع في حتة صغيرة جدا في صدره مش راضي يعدي. حس إنه بيتخنق مش من الهوا من الفكرة. فكرة إنه ممكن يفتحوا الباب ده من غيره.
عيونه ثبتت على الباب كإن فيه حبل مشدود ما بينه وبين اللي جوه. كل دقة قلبه كانت بترن على الحبل ده كل نفس من راكان جواه بيتردد في صدر يعقوب. ولو الحبل اتقطع يبقى يعقوب نفسه خلاص انتهى.
مر شريط طويل في دماغه.
صوت ضحكة راكان وهو بيقوله
يا عم إنت بتفهمش دي عايزة مخ مش عضلات.
ويعقوب اللي طول عمره متعود يعتمد على قوته الجسدية كان بيسيبله كل قضايا التفكير والحيلة وكان بيحس إن الدنيا مطمنة لأنه معاه عقل زي ده.
افتكر ليل طويلة كانوا قاعدين سوا راكان بيحكيله أسراره عن خوفه عن أحلامه وهو يسمع من غير ما يقاطعه. كان حاسس إنه مش بيسمع أخوه وبس كان بيسمع روحه.
رفع راسه للسماء بس لسانه ما نطقش. الدعاء كان طالع من جوه من النفس اللي بيطلع بالعافية.
يا رب مش قادر. إنت عارف إن مش قادر. إنت اللي عالم إني من يوم ما وعيت على الدنيا وهو في ضهري وانا في قلبه. لو هو بيتألم دلوقتي يبقى أنا عاجز وأنا واقف هنا. يا رب رده. ردهولي حتى لو كسرتني أنا. أنا قابل بس هو يفضل عايش.
عيناه لمعت دمعة اتكورت بس ما وقعتش. دمعة وحيدة معلقة كحارس. كأنها بتقول أنا واقفة مش هقع إلا معاه.
شد نفسه وقال في سره
أنا واقفلك هنا يا راكان متقلقش يا اخويا. إنت بتحارب جوه وأنا حاميك بره. ومهما كان اللي بيحصل ولا قوة في الكون كله هتخليك تروح مني. أنا عارف ان ربنا راضي علينا وهي دك لينا دا ابتلاء وربنا هيرفعوا عنا فاكر أول مرة وقفت جنبي وأنا
ابتسم ابتسامة مرة كأنها جايه من وجع قلبه
يا رب حتى لو عمرت الدنيا كلها من غيره هتبقى خراب. أنا مش عايز مال ولا جاه ولا اسم. أنا عايز أخويا. هو مش ابني ده أنا ابنه اللي رباني. من غيره أنا تايه من غيره أنا عدم.
اترجع بخطوة صغيرة سند ضهره على الحيطة ورفع وشه لفوق. كأنه بيكلم سقف المستشفى بس في الحقيقة كان بيكلم السماء
يا رب إن كان في علمك إن العمر هيطول بينا سوا فأكرمنا. وإن كان في علمك غير كده فارحمني أنا مش هو. خده من قلبي وسيبني أنا أضيع بس ماتخليش ضحكته تطفي.
سكت وفضل صوته جواه يهمس زي همس الريح بين شجر بيتكسر.
كان شايف نفسه واقف وسط عاصفة وهو وحده اللي بيواجه الريح والريح دي اسمها فقد. ولو الفقد عدى من البوابة مش هيلاقي يعقوب بعده.
لم يعد يرى الجدار ولا الباب كل اللي شايفه هو وش راكان. الطفل اللي شاله صغير الشاب اللي ضحك معاه الراجل اللي كان سند ظهره. كلهم اندمجوا في صورة واحدة ووقفت في نص روحه وقالت له
أنا مش هسيبك.
فتح عينه بسرعة مسح على وشه وسند راسه على الحيط مرة تانية وقال لنفسه بصوت واطي بالعامية
إنت تسمعني يا راكان أنا واقف. والله واقف مش هتهز. لو طلعت من عندهم ناقص نفس واحد أنا هتنفسلك. لو طلعت ناقص قلب أنا هديك قلبي. بس متسبنيش. متسبنيش يا أخويا أنا ماليش غيرك.
والدقيقة مرت كأنها سنة والضوء الأحمر لسه منور. قلب يعقوب كان بينور ويطفي معاه كأنه جهاز واحد شغال على كهربا واحدة.
وفي اللحظة دي فهم يعقوب إن حياته كلها مربوطة بجوه. إن الباب الأبيض ده مش بيفصل بين جناحين في مستشفى لكن بينه وبين قبره.
فشد نفسه تاني وقال وهو بيبص للسقف
أنا مسلم يا رب. مؤمن بقضائك راضي بحكمك. بس إنت عارف إنت عارف إن ده روحي. فلو رضيت فاخترلي حياة فيها راكان. إنت أكرم وأنا أضعف.
وسكت وساب السكون يدوي جواه. بس جوه كان في بركان والعاصفة لسه مش راضية تسكت.
الزاوية المقابلة لباب العمليات وقف يونس.
ليس كما يعرفه الناس شابا ثائر الدم عصبا مكشوفا نارا تلتهم كل ما يقف في طريقها بل كما يعرف نفسه حين يختلي طفل كبير يخبئ ضعفه خلف طبول صوته ويهرب من وجعه بالضجيج.
لكن الليلة لم يجد ما يختبئ وراءه.
الصوت العالي مات في حلقه واليد التي طالما لوح بها لم يبق منها إلا قبضة مشدودة كأنها تكسر عظامه.
يتنفس بصعوبة كأن الهواء في الممر أضيق من أن يسع صدره. كل شيء في الكون ضده إلا دمعة محبوسة خلف جفنه تأبى أن تسقط.
راكان خلف الباب الأبيض والباب بدا له ككفن منصوب بين عالمين عالم فيه الروح وعالم بعده الخراب.
كان يشعر أن الموت يلف راكان كما يلف الليل جسد طفل ترك وحده في العراء.
أما هو يونس فلم يتعلم الدعاء يوما ولا تعود على الصبر لكنه في تلك اللحظة كان مستعدا أن يخلع قلبه من صدره ويضعه مكان قلب راكان فقط ليرد إليه.
تردد في ذهنه صدى جملة كان راكان يرددها مازحا
إنت قلبك ميت يا يونس!
وكان يونس يضحك رافعا رأسه بفخر أجوف كأن اللقب وسام على صدره.
أما الليلة فقد تمنى لو كان ضعيفا هشا باكيا ليفرغ نصف الوجع بدل أن يحمله كله.
راكان لم يكن أخا فقط كان الأب
وحين التفت يونس لمح صفا.
كانت منحنية على ركبتيها تئن في حضن جدتها وصوتها يتكسر كما يتحطم الزجاج على أرض من رخام.
تجمد يونس في مكانه.
هناك شيء قديم تحرك في صدره شيء دفنه منذ زمن حين أحبها في صمت ودفن الحب قبل أن يولد احتراما لراكان ولأن قلبها كان دائما مؤجلا حتى يأذن القدر.
اقترب ببطء. لم يتكلم لم يلمسها لم يذرف دمعة.
كل ما فعله أنه جلس أمامها عينيه السوداوان تحدقان فيها طويلا.
وفي نظرته وعد خفي أنه لن يسمح لأحد بعد اليوم أن يبكيها.
الممر كان ساكنا يضيئه ضوء أبيض بارد كأنه نهار لا شمس فيه.
جلست صفا على المقعد الحديدي كتفاها الصغيران يهتزان من البكاء شعرها المبلل بالدموع يتدلى على جبينها.
جلس يونس بجوارها لا يعرف الكلام لا يتقن المواساة لكنه يعرف أن يكون موجودا.
قالت بصوت مكسور ضعيف كأنها تخشى أن تنطق بالحقيقة
يونس هو مش هيموت صح راكان مش هيسيبنا
لم يجب. كان صمته أثقل من الجدران.
فواصلت كمن تهرب من انهيارها بقطع كلام متكسرة
أنا مش بعيط علشانو هو مش علشان لحم ودم.
أنا بعيط علشاني أنا.
أنا اللي كنت طول عمري قوية واقفة صوتي عالي وكتافي مش مكسورة.
أنا اللي لبست ثوب الراجل ومشيت في الدنيا بوش مرفوع.
لكن لما جه راكان
سكتت لحظة شهقت بمرارة ثم همست
لما جه راكان حسيت إني ست. مش بالضعف لكن لأني ليا ضهر.
إني مش محتاجة أكون الحيطة علشان في حيطة حقيقية بتسندني.
رفعت عينيها لأول مرة كسرت أمامه وقالت بصوت مختنق
تخيل يا يونس سنين وأنا بستناه من غير ما أعرف إني بستناه
ولما جه كان كأن ربنا رجعلي قطعة من قلبي كنت ناسيها.
ودلوقتي قلبي بيتسحب قدامي. وبموت معاه.
ظل يونس صامتا. قلبه يدق كطبول حرب لكنه أخفى صخبه.
اقترب منها أكثر جلس بجانبها لم يمد يده ليمسح دموعها لكنه كان أقرب إليها من ظلها.
قال بهدوء غريب عليه بنبرة لم تعرفها من قبل
راكان مش هيموت يا صفا
عارفة ليه
علشان ربنا عمره ما بيكسر اللي وقفنا بيه.
راكان اتخلق علشان يكون سند ودي مش نهايته.
ده وعد من واحد ما صدقش في حد زيه غيره.
سكت لحظة. شعر أن الكلام لا يكفي لكن عينيها تستجديان أي شعاع.
فقال بصوت خافت أقرب للهمس
وإن اتكسر أنا مش هسيبك.
التفتت إليه دموعها لازالت عالقة وفي عينيها بريق غريب. لم يكن حبا بل نجاة.
نجاة من الغرق وإن كان الغريق نفسه لا يجيد السباحة.
وبين صمتهما كان الليل في المستشفى يتثاقل.
كأن الكون كله احتبس أنفاسه.
لكن صفا بين دموعها وصوته تنفست لأول مرة قليلا من الأمان.
أمان يشبه راكان لكن بطعم يونس.
زياد كان واقف قدام باب العمليات كأنه متسمر في الأرض
الناس حواليه رايحين جايين ممرضة تعدي مسرعة دكتور يهمس بحاجة مش مفهومة دعوات متقطعة بتطلع من صدور كل واحد واقف لكن هو
ولا شايف حد.
عينه مربوطة في الباب قلبه مربوط فيه وكل دقيقة بتعدي كأنها سنة.
اللي يشوفه من بعيد يفتكر إنه واقف ثابت بس الحقيقة جواه زلزال.
إيده المشدودة ورا ضهره بتترعش وكل نفس بيطلع من صدره بيحس إنه ممكن يكون الأخير قبل ما يسمع خبر ما يتصلحش.
يا راكان مش كده. مش أنت اللي تقع.
مش كنت بتضحك وتقول يا عم سيبك أنا اللي هعجز قبلك عشان أشيلك وانت كبير
ذكريات صغيرة كانت بتيجي في دماغه وتخنقه.
أول مرة اتعرفوا فيها وهما عيال صغيرين بيتخانقوا على كورة في الشارع لحد ما بقوا أصحاب العمر.
ضحكاتهم وهما بيزوغوا من المدرسة أسرار الليل خوفه لما أبوه ضربه وحضن راكان اللي كان أول مرة يحس فيه إن ليه ظهر.
كان سامع صوته جواه كأنه واقف جنبه
لو كل الناس سابوك أنا مش هسيبك. فاهم يا زياد
زياد رفع راسه شوية دمعة محبوسة في عينه بس عناده مش سايبها تنزل.
هو مش بيحب يبان ضعيف لكن النهاردة الضعف بقى أكبر من قلبه.
ورد قربت منه وجهها شاحب وعينيها حمرا من البكا قالت بصوت مبحوح
زياد قولي إنه هيخرج. بالله عليك طمني.
هو بص لها كان عارف إنها مستنية كلمة أي كلمة.
بس لسانه اتعقد.
يكذب يقولها إنه هيخرج وهو مش متأكد
ولا يقول الصدق اللي هو نفسه مش قادر يواجهه
بالآخر قال بصوت واطي كأنه بيحكي لنفسه مش ليها
لو راكان وقع يبقى إحنا كمان وقعنا.
الكلمة نزلت تقيلة زي الرصاص.
ورد دمعت بعدت بخطوة وسابته واقف لوحده كأنه جبل متشقق من جوه.
رجع زياد يبص للباب وشاف في خياله مشهد قديم هو وراكان قاعدين على سطح البيت بيشربوا شاي بايت من كوبايات مكسورة.
كان راكان بيضحك ويقول
إحنا يا زياد مش مجرد أصحاب إحنا اتنين في روح واحدة. لو إنت وقعت أنا بموت. ولو أنا وقعت
ضحك زياد يومها وقال
يا عم أنا عمري ما هسيبك تقع.
المشهد ضرب قلبه دلوقتي زي خنجر.
إزاي أسيبه جوه إزاي أسمح له يواجه الموت لوحده
شد إيده كأنه ماسك في الهواء وقال في سره
قوم يا راكان قوم يا صاحبي. لسه بينا كلام لسه في وعود ما خلصتش. ما تسيبنيش أعيش بنص روح. أنا من غيرك ولا حاجة.
الدنيا حواليه كانت ساكتة بس جوه دماغه كان في ضجيج.
صوت ذكريات ضحكات أسرار وحتى خناقاتهم السخيفة اللي كان يفتكرها دلوقتي نعمة.
وبينما هو غارق في صمته حس إن قلبه بيخبط على نفس النغمة اللي بيدق بيها قلب راكان جوه.
كأن رباط غير مرئي بيشدهم سوا
لو واحد وقع التاني هيموت واقف.
زياد ما قالش ولا كلمة تانية ما حاولش يواسي حد ولا حتى يهدي نفسه.
كل اللي عمله إنه فضل واقف عيناه على الباب روحه متعلقة بخيط أمل ضعيف ودمعة واحدة أخيرا نزلت من غير ما يحس.
دمعة ما كانتش ضعف
كانت عهد.
إنه لو راكان خرج هيفضل جمبه لآخر يوم في عمره.
الممر هادي والعيون كلها معلقة على باب العمليات كل واحد غرقان في خوفه.
لكن فهيمة كالعادة مش بتعرف تسكت.
كانت قاعده جنب بنتها ورد عينها معلقة بزياد اللي واقف بعيد ضهره مفرود بس ملامحه بتفضحه.
تنفست بضيق وقالت بصوت منخفض بس مسموع كويس
بصي يا ورد جوزك شكله اتجنن. واقف بيكلم نفسه زي المجانين.
ورد بصتلها باندهاش كأنها مش مصدقة اللي سمعته
ماما! إزاي تقولي كده زياد واقف عشان صاحبه جوه بيموت!
فهيمة رفعت حواجبها بسخرية وقالت
ما هو أنا عارفة إن راكان جوه بس برضه مش ناقصينا. لو خرج لنا زياد ده دماغه راحت رسمي يبقى هنلاقي روحنا في مصيبة جديدة.
ورد شهقت اتنفسها اتقطع لحظة وقالت وهي بتقاوم دموعها
هو مش مجنون يا ماما هو موجوع. زياد مفيش حاجة
فهيمة اتنهدت ولسانها اللي ما بيعرفش يداري حنية ولا قسوة نطق من غير قصد
يا بنتي الراجل ده لو وقع
متابعة القراءة