روايه قطعة من خافقي بجميع فصولها كاملة الفصل الرابع 4 ياسمين الهجرسي

لمحة نيوز

الحلقة الرابعة
قطعة_من_خافقي
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
ابقي ضفيها أول الحلقة 
ما بين الحياة والموت هناك قلوب لا تنام
وأرواح تصحو على وجع لا يقال
في الزوايا المعتمة يقف الزمن متسمرا لا يعرف إن كان عليه أن يفرح بنجاة أم يبكي على غياب.
الوجوه مرهقة العيون مثقلة بالسهر لكن العزم فيها لا ينكسر.
في الداخل جسد يصارع من أجل البقاء
وفي الخارج رجال ونساء يحاربون على جبهات أخرى لا تقل شراسة.
هناك من استعاد موقعه القديم لا ليتسلق مجدا بل ليكون العكاز الذي يبقي القافلة واقفة.
وهناك من استدعى قوته من الرماد وقرر أن يقف حتى لو كانت الأرض كلها تميد من تحته.
الحق لا ينتظر والظلم لا ينام والحقيقة لا تعرف التأجيل.
الذين حملوا الأمانة لا وقت لديهم للحزن
ربما تزل أقدامهم ترتجف أصواتهم لكن قلوبهم تعرف الطريق.
هم أبناء الموقف لا يغادرون الساحة حين تصبح الكلمات خناجر والصمت موتا.
___________________
والآن
في صمت ذلك الجناح البارد ودفء تلك العزائم المشتعلة
تكتب بداية أخرى.
لا لأجل من رحل بل لأجل من لا يزال يقاوم ما بين جدران الغرفة الباردة حيث يذوب الصمت في أزيز متقطع يصدر عن الأجهزة بدا المكان كأنه منفصل عن الزمن. الضوء الشاحب المتدلي من السقف لم يكن يكفي ليبدد الظلمة بل زادها ثقلا كأن الليل نفسه قد تسلل إلى قلب غرفة الإنعاش ليستقر فوق صدرها. كل شيء هنا متجمد سوى ذلك الجسد المسجى على السرير الأبيض يتأرجح بين أنفاس تستعار من أنابيب وآلات وبين صمت يشبه الرحيل.
خطوات وتين كانت مترددة تحسب حساب الأرض التي تخطو فوقها كأنها ستنهار في أية لحظة. الهواء المحمل برائحة المطهرات يلسع صدرها والبرد يزحف من قدميها صعودا حتى يرتجف قلبها. اقتربت أكثر وكلما اقتربت زاد ثقل رأسها حتى شعرت أن عينيها لن تحتمل النظر إلى ملامحه المرهقة لكنها لم تتراجع أجبرت نفسها أن تمضي وكأنها في معركة لا خيار لها سوى أن تقاتل حتى النهاية.
هناك في منتصف السرير راكان... وجه شاحب يضيئه ضوء باهت تقاطعت فوقه ظلال الأسلاك والأنابيب عيناه مغلقتان لكن ملامحه لم تخف حقيقة الألم بدا كمن يكتب وصيته بصمت طويل ويقاوم بآخر ما تبقى له من أنفاس لم يحرك ساكنا وكأن جسده استسلم فيما روحه وحدها تخوض حربا لا ترى.
اقتربت وتين وجلست إلى جانبه. أصابعها المرتجفة مدت نفسها بحذر كأنها تخشى أن ينهار جسده تحت وطأة لمستها. لامست يده الباردة فانكمش قلبها بقسوة كان الصقيع يسكنه لكنها تشبثت بها كما يتشبث الغريق بخشبة نجاة أطبقت كفيها حول

يده وأراحت جبينها على الوسادة الصغيرة قرب كتفه ثم همست وصوتها يخرج متقطعا بين شهقة وأخرى
راكان... لو كنت تسمعني حتى لو قلبك مش قادر يرد أنا واثقة إن روحك حواليا... أنا هنا زي ما وعدتك ومش هقوم من هنا غير وإيدك في إيدي.
ارتجفت لكن الكلمات انسابت رغم الألم كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة لتخرج
تعبت يا راكان... والله تعبت. تعبت من خوفك من انتظارك من اللحظة اللي قلبي يتقطع فيها وأنا مش عارفة إذا هتصحى تاني ولا لأ.
شهقت نفسا مرتعشا شعرت بأن الهواء ثقيل كالحجارة وأن صدرها يرفض التنفس إلا معه. لمعت دموعها وهي تحدق في ملامحه جبينه المبتل بالعرق شفتاه المتيبستان وسكونه القاسي مدت يدها الأخرى ومسحت خصلة من شعره التصقت بجبهته ثم تمتمت بضعف
كنت بتقول إني أقوى من الدنيا... بس أنا ولا حاجة من غيرك إنت اللي كنت بتديني معنى ولو إنت دلوقتي بتصارع الموت أنا مش هقف أتفرج... أنا هافضل أصرخ في وشه.
تسارعت أنفاسها ارتجف صوتها أكثر
مش علشانك... علشاني أنا. عشان معرفش أعيش من غيرك. عشان لو راح صوتك... خلاص أنا كمان هموت.
ضغطت أكثر على يده كأنها تريد أن تعيد الحياة إلى عروقه بقوة أصابعها دموعها تساقطت تباعا فوق جلده لكنها لم يمسحها كما اعتاد لم يتهكم كعادته لم يقل لها عايشة دراما ولم يبتسم ليسرق منها وجعها هذا الغياب عن الرد هو ما كسرها أكثر جعلها تصرخ في صمت
رد عليا... حتى لو بكلمة واحدة حتى لو تنهيدة بس رد... علشان أصدق إنك لسه هنا.
رفعت رأسها قليلا عيناها تائهتان بين ملامحه الجامدة والمؤشرات الخضراء والحمراء على الأجهزة الأزيز المنتظم اخترق أذنيها كصفير قطار لا يتوقف كأنه يعد الثواني الأخيرة أغلقت عينيها بقوة كأنها ترفض أن ترى ما قد يأتي.
ثم همست بصوت منكسر
أنا محتاجة ليك محتاجة أصدق إنك مش هتسيبني كل الناس سابوني بس إنت... إنت وعدتني متكسرش وعدك يا راكان.
تدحرجت دمعة ساخنة أخرى سقطت على أصابعه هذه المرة فتشبثت بها أكثر وكأنها آخر ما يمكن أن يربطها بالحياة.
لو راحتك إني أكون أنا مكانك... فخد روحي وارجع ما عنديش مانع بس إوعى تسيبني لوحدي.
الغرفة ازدادت ضيقا كأن الجدران تقترب منها كأن الأجهزة نفسها تتنفس معها في صراع ثقيل غزت قلبها هواجس مظلمة ماذا لو توقف الجهاز ماذا لو انطفأ كل شيء فجأة ماذا لو خرجت من هنا وهي لا تحمل سوى جسد بلا روح
لكنها رفضت الاستسلام لتلك الفكرة هزت رأسها بعنف وكأنها تطردها بعيدا رفعت يده بكل ما تبقى فيها من قوة وأسندتها فوق قلبها مباشرة.
حس بيا... ده قلبك مش قلبي.
إنت اللي جواه لو قلبك تعبان سيبه يستعير قوتي خليه يضرب بنبضي أنا.
كانت تبكي بلا توقف كأن الدموع وحدها قادرة على إبقائه حيا وكل دمعة سقطت كانت تحمل رجاء وصلاة صامتة.
في تلك اللحظة لمعت على الشاشة الخضراء خطة صغيرة ارتفع معها صوت الجهاز برنين مختلف
ضئيل لكنه كاف ليشعل شرارة داخلها شهقت بقوة عيناها اتسعتا تشبثت بيده أكثر وهمست بعنف
سمعتني... صح! إنت سمعتني! متسيبنيش أنا هنا معاك مش هسيبك أبدا.
الغرفة بدت كأنها تحبس أنفاسها كل شيء فيها ساكن إلا صوت الأجهزة المتتابع وتين واقفة متسمرة مكانها عيناها معلقتان في إصبع راكان الذي ارتجف للحظة وكأن اللحظة صارت أكبر من الزمن كله كان الأمل بالنسبة لها حقيقيا ملموسا مثل برق خاطف في ليل دامس.
لكن كلمات الطبيب سقطت كحجر على صدرها للأسف هو لم يتحرك.
ارتعشت رموشها وكأنها تسمع لغة غريبة التفتت ناحيته وجهها متشنج وعيناها تلمعان بنظرة من يقاتل لتكذيب الواقع. اقتربت منه خطوة ثم خطوة أخرى وكأن الأرض نفسها صارت ثقبا أسودا يسحبها. همست بصوت مبحوح
إزاي يعني أنا شفته... صباعه اتحرك قدامي دي مش خيالات.
لم يرفع الطبيب صوته لم يغضب لكنه ظل باردا نظراته معلقة على الأجهزة لا عليها
حصل اللي شفتيه بس ده رد فعل عصبي الجسد ساعات بيصدر حركات لا إرادية ملهاش معنى على مستوى الوعي.
كلماته انغرست في أذنها كسكاكين صغيرة وقفت مذهولة تتلفت ناحية الممرضة ناحية النافذة الزجاجية حيث تراقب الوجوه المتحفزة أرادت أن تجد فيهم جميعا تصديقا لها إقرارا بأن ما رأته كان حياة لا خدعة.
يونس رفع يده المرتجفة عن فم أبرار وقد تجمدت ابتسامته إلى نصف صورة عينا يعقوب ظلتا متسمرتين على السرير يتلو أدعية متقطعة لا يكملها أما أبرار فقد أجهشت بالبكاء الصامت تختبئ خلف كتف يونس.
وتين وحدها كانت وسط العاصفة ارتدت إلى الوراء ظهرها اصطدم بالجدار البارد فارتجفت وضعت كفها على صدرها تتحسس نبضها تتأكد أنها ما زالت على قيد الحياة. لكن قلبها كان يركض بجنون وكأن أحدا يطارده بسيف مسلول.
ضحكت ضحكة قصيرة مشروخة كأنها ليست منها. وضعت يدها على فمها محاولة كتمها لكنها خرجت رغما عنها. بدت الضحكة أقرب إلى شهقة خليط من انهيار وتكذيب التفت الطبيب نحوها بقلق أما هي فمسحت دموعها بظهر يدها وقالت بصوت مشبع بالسخرية المرة
يعني أنا بهلوس أنا مجنونة عيني بتكدب!
لم يرد فقط أشار للممرضة كي تتابع الفحوصات أما وتين فقد اقتربت من السرير مرة أخرى جلست على حافته أمسكت يد راكان بكل قوتها كأنها تتحدى العالم كله
أنا
عارفة إنك سمعتني إنت اللي اخترت ترد عليا بالطريقة الوحيدة اللي تقدر عليها ما تقوليش دي حركة لا إرادية... ده كان ردك أنا متأكدة.
انحنت على وجهه تحدق في جفونه المغلقة تبحث عن أي ارتعاشة أي علامة صغيرة تعيد لها يقينها لا شيء الأجهزة وحدها تواصل نغمتها الرتيبة لكن يقينها لم يتزحزح.
في الخارج يونس تمتم خلوها دلوقتي... محدش يضغط عليها.
أبرار هزت رأسها باكية هي الوحيدة اللي لسه شايلة أمل... متكسروش قلبها.
أما يعقوب فقد أغلق عينيه وألقى رأسه للخلف يهمس يا رب لو في معجزة خليها من نصيبهم.
الطبيب أنهى فحصه سجل ملاحظات سريعة ثم التفت إلى وتين بلهجة حازمة
لازم تستريحي وجودك هنا بالساعات مش هيفرق في وضعه إحنا متابعين حالته بدقة.
لكنها لم تسمعه كانت أصابعها تتحرك فوق يده كمن يكتب رسالة سرية على جلده كأنها تسطر عهدا جديدا همست بحرارة تكاد تحرق الهواء
مش هسيبك لو العالم كله شايفك جثة نايمة أنا شايفا فيك حياة شايفا فيك راكان اللي أعرفه.
تراجعت للخلف قليلا أغمضت عينيها تنفست بعمق كمن يتزود بقوة من داخله ثم قالت بصوت ثابت رغم الدموع
حتى لو انتظروني سنين... حتى لو قالوا لي إنك مش هترجع... أنا مش هصدق غير عيني اللي شفته النهارده كان كفاية يثبتلي إنك بتحارب.
الغرفة ازدادت ثقلا كأنها تمتحن عزيمتها الطبيب والممرضة انسحبا في صمت تاركينها مع جسده والأجهزة من وراء الزجاج أبرار كانت تمسح دموعها يونس يطرق برأسه إلى الأرض ويعقوب يظل يتمتم بالدعاء.
أما وتين فقد ظلت جالسة تحتضن يده كأنها تحرس سرا. عيناها تلمعان ببقايا دموع لكن في أعماقها نبتت جذور إصرار جديد لم تعد تنتظر معجزة كاملة كل ما تحتاجه هو خيط واحد مجرد خيط وقد جاءها هذا الخيط في ارتعاشة إصبع.
ابتسمت ابتسامة صغيرة ضعيفة لكنها حقيقية رفعت يده إلى جبينها وضغطت عليها وهمست
أنا شفت الحياة فيك... حتى لو لحظة وده كفاية يخليني أعيش لحد ما تصحى.
خارج الغرفة الأمل والخوف كانا يتنازعان قلوب الجميع لكن داخلها وتين وحدها كانت قد حسمت أمرها ستظل مهما قيل لها حارسة راكان حتى يعود.
حتى الحركة كانت كدبة
أنا أنا اللي اتوهمت
الكلمات خرجت من فم وتين أشبه بجرح ينزف.
لكن من خلف الزجاج كان صوت أبرار يتسرب مرتجفا مبللا بالبكاء
لأ يا وتين مش كدبة. يمكن قلبك صدق لحظة لأنه بيحب وده مش وهم.
إلا أن وتين لم تسمع أو ربما سمعت ولم تعد تفرق بين الحقيقة والصدى.
عادت إلى الداخل كأنها تحمل جسدا فارغا جلست على المقعد أراحت ذراعيها فوق يد راكان مسحت عليها للمرة الأخيرة
لكن هذه المرة لم تنتظر أن يعود الإصبع ليتحرك لم يعد في داخلها مكان لأي رجاء
تم نسخ الرابط