روايه قطعة من خافقي بجميع فصولها كاملة الفصل الرابع 4 ياسمين الهجرسي

لمحة نيوز

انحنت نحوه همست بصوت اعتذار مكسور
أنا آسفة يا راكان سامحني إني صدقت لحظة إنك راجع وسامحني إني خيبت ظنك في قوة قلبي بس والله لو حتى أصبعك اتحرك بالحلم فالحلم ده كفاية يخليني أعيش باقي عمري.
قالتها ثم استدارت فجأة كأنها تهرب من نفسها هرولت إلى الخارج.
خلف الزجاج انتفضت أبرار تركض وراءها لكن يدا قوية أمسكت بذراعها التفتت فوجدت أحمد عيناه تحملان رجاء صامتا وحسما لا يقبل جدالا قال بهدوء ثابت
سبيها لي.
ارتبكت أبرار صوتها يختنق بالبكاء
بس هي منهارة أنا خايفة عليها.
أحمد أطرق برأسه كأنه يزن كل كلمة ثم رفع نظره إليها بثقة
وأنا كمان خايف بس اللي هتعمليه دلوقتي مش هينفعها. هي مش محتاجة اللي يعيط معاها محتاجة اللي يفكرها مين هي.
تركت ذراعها مترددة وعيناها تتابع وتين وهي تختفي عبر الممر الطويل.
فتحت وتين باب المستشفى بعنف والهواء البارد صفع وجهها دفعة واحدة تنفست بحدة لكنها شعرت كأن رئتيها تضيقان أكثر. أسرعت إلى الخارج تكاد تختنق بأنفاسها المتقطعة الأرض تهتز تحت قدميها خطواتها تتعثر لكنها لا تتوقف.
الهواء مشبع برائحة العادم وأضواء الشارع الصاخبة تربك عينيها المبللتين بالدموع.
الليل مشغول بأصوات لا تهمها صفير سيارات الإسعاف مناداة رجل أمن محرك يئن على الرصيف لكنها لم تر شيئا لم تر سوى الفراغ الذي خلفه انطفاء الحركة في إصبع راكان.
عبرت ساحة الإسعاف يداها ترتجفان إلى جانبيها بلا وعي. دموعها انهمرت فحجبت عنها الرؤية كل ما كانت تسمعه هو صوتها الداخلي يجلدها وهم صدقت الوهم كنت ضعيفة.
خرجت إلى الشارع المقابل الليل كان يلمع بأنوار صفراء متقطعة أعمدة الإنارة تترنح تحت الريح الخفيفة وقفت لوهلة في منتصف الطريق لم تعرف إلى أين تذهب لم تكن قادرة أن تعود ولا أن تبقى.
حينها اخترق سكون الليل صوت مفاجئ صرير حاد كأن الأرض انشقت تحت عجلات سيارة.
فرامل معدنية مزقت الهواء.
وصوت آخر صرخة مزلزلة اهتز لها قلبها قبل أذنها
وتين!!
تجمدت في مكانها
عينان غارقتان بالدموع جسد نصف مائل للأمام خطواتها ارتبكت وكأنها بين لحظة وأخرى ستسقط.
لم تفهم ما يحدث لم تستوعب سوى أن العالم حولها قد تحول إلى ضوضاء.
الضوء الأمامي لسيارة متوقفة على بعد ذراع منها غمر جسدها. انعكاسه على دموعها جعلها كأنها محاصرة بألف مرآة قلبها قفز من مكانه أنفاسها انقطعت للحظة.
أصوات هرولة خلفها رجال الأمن يلوحون بأيديهم أحد المارة صاح مذعورا لكن وتين لم تسمع سوى تردد اسمها يتردد في أذنها كناقوس وتين وتين
شعرت بيد تمسك بذراعها فجأة تجذبها بقوة للخلف توازنت بصعوبة التفتت نصف التفاتة وعيناها تبحثان
بين الظلال عن صاحب اليد والصوت.
الشارع كله توقف العربة التي كادت تصدمها انحرفت قليلا السائق يخرج برأسه صارخا بالشتائم.
لكن وتين لم تكن تسمع كانت فقط تتنفس كمن خرج من غرق محقق.
تراجعت خطوتين إلى الوراء صدرها يعلو ويهبط بجنون. دموعها لم تتوقف لكن نظرتها تغيرت من الانكسار إلى الذهول ومن الذهول إلى سؤال أكبر مما يحتمله قلبها.
همست بصوت باهت بالكاد خرج من حلقها
حضرتك
التفتت مذعورة لترى سيارة سوداء مندفعة باتجاهها ولم تستطع حتى أن تصرخ...
إنتي اتجننتي! تمشي كده من غير ما تبصي!
كان الصوت يخرج من صدره ممزوجا بالغضب والرعب معا.
رفعت عينيها المبللة لتراه... أحمد. والدها. وجهه مشقوق بالقلق قلبه يرتجف وعيناه تحتبس فيهما الدمعة.
لم تستطع أن تنطق. سقطت دموعها من جديد كأنها استسلمت أمامه كما لم تفعل من قبل.
أمسك بكتفيها ثم قال بخفوت شديد
تعالي تعالي يا بنتي مش كده... مش كده أبدا. تعالي نقعد شوية.
قادها إلى الرصيف المقابل وهناك كافيه هادئ قريب من المستشفى
جلسا في الركن البعيد
الأنوار الخافتة انعكست على ملامحه الجامدة لكنها لم تخف ارتعاشة يديه وهو يضم أصابعه بعضها إلى بعض على الطاولة يحاول أن يبدو ثابتا بينما رأسه يضج بصوت الفرامل وصورتها وهي تتهاوى أمامه.
وتين لم تكن أقل اضطرابا نظراتها تائهة تنظر إلى الشارع خلف الزجاج وكأنها ما زالت ترى السيارة القادمة لم تكن قادرة على رفع عينيها إليه كأن المسافة بينهما أكبر من تلك الطاولة الصغيرة.
أحمد انحنى قليلا للأمام صوته خفيض لكنه نافذ
كنتي هتموتي يا وتين كنتي هتسيبي الدنيا كلها... وتسيبيني أنا.
صمته بعدها أثقل من الكلام. كأن الجملة خرجت من عمق سنين فهي أم ابيها.
رفت شفتاها أرادت الرد لكن الصوت خانها دمعة سالت على خدها مسحتها بسرعة بعناد طفلة تخشى أن تفضح ثم قالت متهدجة
حضرتك اكتر واحد عارف راكان بالنسبة لي ايه هموت من غيرة
ارتجف جفن أحمد لكنه سيطر على دموعة هو يعرف أن هذه اللحظة ليست للموعظة وقال بنبرة أقرب للرجاء
يا بنتي أنا عمري ما شوفتك ضعيفة كده... لازم تبقي قوية لازم لما يفوق بسلامة تكوني جانبه.
انهمرت دموعها وشهقت وارتعشت يدها وهي تضعها على صدرها
انهارده أنا كنت بموت مرتين... مرة وأنا شايفة راكان نايم وما بيتحركش... ومرة لما اكتشفت إني هموت لو حصل له حاجة.
أحمد لم يتحمل مد يده فجأة وأمسك يدها المرتجفة على الطاولة قبض عليها بقوة كأنه يمسك بحياته كلها في تلك اللحظة وقال بنبرة كسرته
لأ... هقوم بالسلامة لان عارف قد ايه انتي بتحبية.
توقفت الدموع في عينيها للحظة خفض رأسه صوته أصبح أضعف
يمكن قدر
يقف قدامنا شوية... بس لازم يبقي عندنا أمل كبير في ربنا... 
أحست وتين أن نار قلبها تهدأ بعد كلماته سحبت يدها ببطء من قبضته ثم همست ببحة
يارب يا بابا.
رفع أحمد رأسه بسرعة عيناه دامعتان لكنه يخفيهما بالصلابة المعتادة
سكت لحظة ثم أردف بصوت مرتجف لأول مرة
قالت من خلف دموعها
أنا تعبت يا بابا... تعبت من غيرة من الخوف من فكرة فقدانه... أنا محتاجة ربنا يشيل من قلبي الوجع اللي فيه مش هقدر أشيل هم قلبي وهو بيتقطع عليه وهو سيبني أقاوم لوحدي.
مد يده مرة أخرى لكنه هذه المرة مسح دموعها بإبهامه برفق وصوته مشقوق
صدقيني... مش هتفضلي لوحدك وهو مستحيل راكان يكون سبب في وجعك مش هتفضلي لوحدك من غيرة ربنا رحيم وهيرحمنا ويقوم لينا بسلامة.
مد يده إلى يدها المرتعشة وربت عليها برفق كأنه يخشى أن تنكسر بين أصابعه
لسه فاكرك يا وتين... كان عندك يمكن خمس سنين... لقيتك داخلة عليا في المكتب سحبت روب المحاماة من الشماعة ولبستيه كان بيغطيكي لحد رجلك!
ارتسمت ابتسامة باهتة على وجهها رغم الدموع ثم انزلقت تنهيدة ثقيلة من صدرها تنهيدة تحمل بين طياتها كل وجع الأيام.
تابع هو صوته يختلط بابتسامة عالقة في الذكرى
وقفت قدامي وضربتي القلم على المكتب زيي وقلتي بصوت طفولي المحكمة حكمت!... يومها كلنا ضحكنا وأنا بصيت لأمك وقلت البنت دي... هتكون النسخة الأجمل مني.
ضغط على يدها أكثر نبرته امتلأت دفئا 
كنت دايما بتسمعي كلامي تقلديني حتى في مشيتي في نبرة صوتي وحتى في اختياراتي.
صمت لحظة عيونه تسرح بعيدا وكأنه يستدعي المشاهد من عمق الزمن ثم أردف
ولما كبرت وجالك تعيين في الجامعة فرحت حسيت إن حلمك بيتحقق... لكن إنت إنت قولتيلي أنا مش عايزة أبقى دكتورة... أنا عايزة أشتغل معاكم في المجموعة القانونية أكون جنبك... أشيل عنك.
ارتجفت شفتاها وكأن الذكرى فتحت بابا مغلقا في قلبها فاندفعت الدموع مجددا بلا مقاومة.
صوته هذه المرة كان أعمق
كنت أكبر إخواتك يا وتين... بس عقلك مسؤوليتك شهامتك... كانوا يكبروك سنين.
ارتجفت شفتاها وكأن الذكرى فتحت بابا مغلقا في قلبها فاندفعت الدموع مجددا بلا مقاومة.
وصوته هذه المرة كان أعمق
كنت أصغر إخواتك يا وتين... بس عقلك مسؤوليتك شهامتك... كانوا يكبروك سنين. تذاكري الليل كله وبعد كده تسهري مع إخواتك تحلي مشاكلهم يونس ويعقوب كانوا شايلينك على دماغهم وبيسموكي الأخت الكبيرة... وأنا أنا كنت بمشي رافع راسي بين الناس وأقول دي بنتي... وتين.
رمقها بعينيه مباشرة وصوته تهدج كمن يعترف بسر دفين
وعارف... عارف إنك كمان كنتي بتحبي راكان.
ارتجف جفنها لكن شفتيها بقيتا
مطبقتين كأنها تخشى أن تفضح ارتعاش قلبها.
أكمل بصوت أكثر هدوءا
هو كان أكبر منك بس اتربى معاكي شافك تكبري قدامه شاف قوتك وعنادك وكان بيحكيلك اللي ما قالوش لحد. كان دايما يقوللي وتين بتفهمني من غير ما أتكلم.
خفض أحمد رأسه لحظة يغالب دمعة لم يرد أن تسقط أمامها ثم قال بنبرة ممتزجة بالحزم والرجاء
وتين... راكان محتاجك دلوقتي مش إنتي اللي تنهاري إنتي اللي طول عمرك بتشدي على الجرح وتربتي على قلب اللي بيتوجع. إنتي اللي كنتي دايما أم أبوكي... مش بس بنت أبوكي.
كلماته كسرت شيئا بداخلها. وقفت والدموع تسيل في صمت قبل أن يخرج صوتها مبحوحا كأنه يزحف من أعماق روحها
هو نايم... نايم وما بيردش... وأنا مش قادرة أستوعب ده.
وقف بدوره واحتواها بذراعيه ضاغطا على ظهرها بيده كما فعل يوم سقطت أول مرة من الدراجة همس في أذنها بصوت مرتعش لكنه ثابت
اللي بينام... بيصحى بس اللي يفضل جنبه وقت نومه... هو اللي بيكون أول من يفتح عينه عليه.
ظلت بين ذراعيه لثوان طويلة كأنها عادت طفلة صغيرة تخاف الظلمة وتلجأ إلى أبيها لتطمئن.
لكنها فجأة سحبت نفسها مسحت دموعها براحة يدها بقوة ثم رفعت رأسها نحوه نظرتها تغيرت... لم تعد تلك النظرة المكسورة بل نظرة من تذكرت من تكون.
وقفت بثبات وشدت ياقة معطفها ببطء وكأنها تهيئ نفسها لدخول معركة ثم قالت بصوت هادئ لكنه نافذ يقطع الصمت كسكين
أنا داخلة له يا بابا.
رفع حاجبيه بدهشة عينيه تبحثان عن تفسير لكنها لم تنتظر إذنه استدارت بخطوات ثابتة نحو باب الكافيه خطوات تحمل من الثقل بقدر ما تحمل من العزم.
لحق بها بخطوات هادئة ليس ليمنعها بل ليشهد معها لحظة تحولها وحين وصل إليها رآها ترفع رأسها للسماء تتنفس بعمق ترسل تنهيدة طويلة إلى العلو وكأنها تودع هناك ضعفها الأخير.
أغلقت عينيها لثوان ثم فتحتها من جديد وفيهما بريق مختلف... بريق عزيمة لا تكسر.
فلاش باك سريع قبل دقائق حين كانت تخرج من المستشفى
كانت خطواتها مترنحة كأن الأرض تنسحب من تحتها عيناها غائرتان في الضباب دموعها المتساقطة تحجب عنها الرؤية وجسدها بدا هشا كأن الروح قررت أن تتركه وحيدا.
الهواء من حولها بارد لكنه لم يوقظها بل زاد ثقلها.
وفجأة...
صوت كلاكس حاد اخترق أذنها أضواء عالية باغتتها جعلت قلبها يرتجف.
ثانية واحدة فقط كانت كافية لتضع نهاية لكل شيء.
لكن ذراعا قوية اندفعت نحوها جذبتها بعنف إلى الرصيف.
ارتطم جسدها به بأنفاسه بعصبيته التي تخفي وراءها حبا يصرخ.
كان هو... أبوها أحمد الشاذلي.
صرخ في السائق بصوت ملتهب
إنت أعمى!
ثم التفت إليها وعيناه يفضحان الهلع الذي جرى في دمه
هتخسري حياتك
كمان!
نظرت إليه فارتعش قلبها لم يكن الأمر مجرد نجاة من حادث بل كأن الحياة بأكملها صفعتها لتفيق.
نهاية الفلاش
تم نسخ الرابط