روايه قطعة من خافقي بجميع فصولها كاملة الفصل الرابع 4 ياسمين الهجرسي

لمحة نيوز

وجدوا في كلماته مخرجا من الصمت الثقيل.
قال زياد وهو يتحرك نحو الباب
أنا هروح الأول أطمن على ماما من ساعة ما تعبت وورد عندها هي وطنط فهيمة وزمانها قلبت الدنيا على ورد.
رد عليه يعقوب بسرعة
طمني عملت إيه أول ما توصل.
رفع زياد يده مشيرا
حاضر نتقابل في المجموعة.
وانصرف.
ظل يونس مكانه جلس على حافة السور الحجري الصغير يراقب السماء التي بدأت تتلون بخيوط الفجر الباهتة لم يكن الليل قد انسحب بالكامل لكنه فقد هيبته أمام شمس تستعد للصعود.
اقترب يعقوب منه جلس بجواره دون أن ينطق في البداية بينهما صمت لكن هذا الصمت كان أبلغ من الكلام.
أخيرا خرج صوت يونس مبحوحا كما لو أنه يتحدث إلى نفسه
أنا خايف على وتين.
نظر إليه يعقوب لم يجب فقط أومأ برأسه إقرارا لما يشعر به.
أكمل يونس وعيناه معلقتان بالأفق
هي مش بتنهار بس أنا شايفها بتتآكل كل ساعة حتة.
دخلت صبا أولا تحمل صينية كبيرة من الفطائر المحشوة بالجبن والزعتر بخارها يصعد برائحة تذكر بالبيوت في صباحات الشتاء وراءها خطت صفا تحمل أكواب الشاي بالحليب بخاره يرقص في الهواء فينعش الصدور.
قالت صبا بمرح ناعم وهي تضع الصينية على الطاولة وسط القاعة
ولا حد يفكر يخرج من غير ما يفطر الجسم تعبان ولازم حاجة ترجع له النشاط.
ابتسم يعقوب ابتسامة جانبية وهو يمر بجوارها وقال بخفة
يعني نعمل خير ونصلي الفجر نلاقي مكافأة فطير ده كرم فوق كرم.
رفعت صبا حاجبيها ونظرت له بنظرة عتاب رقيقة لكن لسانها صمت لم تضف كلمة فقط زادت من ترتيب الأطباق أمامه.
لكنها لم تلاحظ أنه وهو يمر بجانبها التقط طرف شالها بخفة دون أن يشده فقط لمسة عابرة كأن يده خانته وكشفت عما يضج به صدره.
صفا التي كانت توزع الأكواب لم تعلق لكنها حين وصلت إلى يونس رفعت عينيها إليه مباشرة وهي تناوله كوب الشاي. صوته جاء خفيضا لا يسمعه غيرها
عرفت إزاي إني بحب الشاي بالحليب على الفطار
توقفت لحظة ثم همست بنبرة فيها إنذار أكثر من الحنان
كلنا تعبانين يا أستاذ يونس وكل واحد له طريقته في التماسك.
ابتسم ابتسامة صغيرة لكنه لم يرد اكتفى بأن يطيل النظر في عينيها لحظة أطول مما ينبغي ثم جلس في مكانه يرفع الكوب ببطء إلى شفتيه وكأن فيه شفاء لشيء داخله.
أحمد الشاذلي الذي راقب المشهد من بعيد ربت على كتف زياد وقال
هيفضل فينا الخير طول ما في اللي بيهتم من غير
كلام.
أجاب زياد بابتسامة متعبة عينيه تلمعان بصدق حزين
صحيح بس الكلام ساعات بيكون أسهل من السكوت.
ساد صمت قصير قبل أن ينكسر بخطوات تتحرك حول الطاولة. أخذ الجميع أماكنهم وبدأوا يتناولون الطعام ببطء.
كان الإفطار بسيطا لكنه حمل نكهة بيتية دافئة نكهة تقول إن بين التشققات المرهقة في الأرواح ما زال الحب والاهتمام ينبت بصمت مثل زهرة برية تنمو في ظل الصخور لا تحتاج شمسا لتكبر فقط تحتاج قلبا يرعاها.
تقدمت وتين بخطوات مترددة وصوت كعب حذائها يصدر رنة مكتومة في أرضية الرخام البارد. شعرت أن كل خطوة ثقيلة كأنها تسير على بحر من الزجاج المكسور وقفت أمام الجمع أخذت نفسا عميقا وكأنها تغالب زلزالا يوشك أن يهدم ما بقي من تماسكها.
رفعت عينيها قليلا ثم قالت بصوت خفيض لكنه واضح
أنا آسفة لو دخلت من غير ما أستأذن بس كان لازم أقول اللي في قلبي.
ساد صمت عميق في القاعة. الشباب تبادلوا النظرات بسرعة نظرات تتأرجح بين القلق والفضول والخوف مما قد تبوح به أما أحمد الشاذلي ظل ساكنا في مكانه يرمقها بعينين ثقيلتين لا تكشفان ما بداخله كأنه يزن كل كلمة قبل أن تقال.
وتين خفضت بصرها تتحاشى النظر المباشر في عيونهم ثم قالت بصوت مرتعش
أنا مش هقدر أكون جزء من الاجتماعات الجاية ولا هقدر أرجع المكتب بس دا مايعنيش إني مش هكون موجودة.
رفعت رأسها فجأة كأنها انتزعت من داخلها بقايا خوف وأكملت بثبات لم يتوقعوه
كلمت السكرتيرة من بدري وفريق المحاماة بتاعي هيبدأ يتابع معاكم القضايا اللي كان راكان ماسكها أي ملف فيه اسمه أنا مش هقدر أسيبه وهو في الحال دي.
سكتت لحظة كأنها تتردد. أنفاسها كانت تتسارع لكنها أضافت رغم الارتجاف
أنا فعلا مش هعرف أركز في أي قضية مش قادرة أقرأ ورقة مش قادرة أفصل عقلي عن اللي بيحصله. بس هفضل أتابع من بعيد وهكون موجودة وقت ما تحتاجوني.
كلماتها سقطت مثل حبات مطر في قاعة متوترة زياد كان يطوي أصابعه بعصبية يحاول أن يخفي توتره بابتسامة باهتة. يونس خفض رأسه يحاول ألا يظهر ما يعتصر قلبه أما يعقوب فقد عض على شفته عينيه تراقبانها كما لو كان يخشى أن تنهار في أي لحظة.
التفتت وتين نحو أحمد الشاذلي ونطقت ببطء كأنها تنتزع الكلمات من روحها
أنا مش هطلب من حضرتك تسمحلي أكون طرف في المجموعة الآن أنا بس بطلب منك بصفتك المستشار أحمد الشاذلي مش والدي
تسمحلي أنسحب من كل القضايا اللي كانت معايا راكان محتاجني دلوقتي أكتر من أي وقت.
السكوت ثقل أكثر الهواء بدا أثقل من الرصاص الكل شعر أن اللحظة لم تعد مجرد إعلان بل مواجهة خفية بين ابنة مجروحة وأب يعرف حجم ما تحمله.
أحمد الشاذلي اقترب منها خطوة بخطوة صوته حين خرج كان عميقا يحمل دفئا وحزما معا
حبيبتي ارتاحي إنت بس. ماتشليش هم الشغل وراك نسور القضاء ولازم تبقي واثقة إن الشغل ما بيقفش على شخص واحد المهم دلوقتي إنك تخلي بالك من راكان وماتنسيش اللي اتفقنا عليه.
عيناه التقتا عينيها مباشرة لم يترك لها مهربا من حقيقة أنه يراها يعرف ضعفها وقوتها معا.
هزت وتين رأسها في صمت ولم تجد كلمة ترد بها خطت خطوتين للوراء ثم استدارت ببطء تغادر المكان كمن يترك خلفه جزءا من روحه لم يلتفت أحد للحظة لكنهم جميعا شعروا أنها تركت خلفها أثر امرأة لم تنكسر رغم أنها محطمة من الداخل.
أحمد الشاذلي عاد بنظره إلى الشباب ثم قال بحزم
الاجتماع خلص. يلا يا شباب على شغلكم.
أومأ الجميع كأنهم وجدوا في كلماته مخرجا من الصمت الثقيل.
قال زياد وهو يتحرك نحو الباب
أنا هروح الأول أطمن على ماما من ساعة ما تعبت وورد عندها هي وطنط فهيمة وزمانها قلبت الدنيا على ورد.
رد عليه يعقوب بسرعة
طمني عملت إيه أول ما توصل.
رفع زياد يده مشيرا
حاضر نتقابل في المجموعة.
وانصرف.
ظل يونس مكانه جلس على حافة السور الحجري الصغير يراقب السماء التي بدأت تتلون بخيوط الفجر الباهتة لم يكن الليل قد انسحب بالكامل لكنه فقد هيبته أمام شمس تستعد للصعود.
اقترب يعقوب منه جلس بجواره دون أن ينطق في البداية بينهما صمت لكن هذا الصمت كان أبلغ من الكلام.
أخيرا خرج صوت يونس مبحوحا كما لو أنه يتحدث إلى نفسه
أنا خايف على وتين.
نظر إليه يعقوب لم يجب فقط أومأ برأسه إقرارا لما يشعر به.
أكمل يونس وعيناه معلقتان بالأفق
هي مش بتنهار بس أنا شايفها بتتآكل كل ساعة حتة.
زم يعقوب شفتيه وصوته حين خرج كان مزيجا من الغضب والحزن
بتحارب بطريقتها بس التعب باين في ضهرها في مشيتها في صمتها.
تنهد يونس بحرقة مرر يده على وجهه وصور تلك اللحظة عادت لتنهش قلبه
أنا مش قادر أنسى شكلها وهي وبتصرخ كانت بتصارع الموت بنفسها كأن الرصاصة جت في قلبها هي مش في قلبه كأنها بتحاول تلحق روحها اللي كانت رايحة.
أغلق يعقوب عينيه لحظة
ثم قال بصوت خفيض
كلنا عارفين هما عند بعض إيه كان حبيبها وسندها وحلمها دلوقتي هي بقت وحيدة وسط الزحمة دي كلها. حتى وإحنا حواليها الوحدة لسه محاوطاها.
سكت الاثنان قليلا والبرد يلسع وجوههم ثم وقف يونس فجأة وقال بحزم
ماينفعش نفضل نتفرج وتين مش لازم تحس إنها لوحدها هي أختنا ولو ما حستش بينا ممكن تنهار فعلا.
وقف يعقوب بجانبه عينيه تشعان بقرار داخلي
نروح لها دلوقتي قبل ما تطوي وجعها جواها أكتر.
تحركا بخطوات بطيئة لكن ثابتة الطريق نحو جناح العناية بدا طويلا كأن الأرض تمتد بلا نهاية وفي النهاية كانت وتين واقفة أمام العازل الزجاجي تنظر إلى راكان.
وشاح خفيف يلف كتفيها جسدها هزيل عيناها مثبتتان على الفراغ لم تلتفت إليهما في البداية كأنها كانت هناك بجسدها فقط أما روحها فكانت حبيسة مع راكان خلف الزجاج.
اقترب يونس أولا جلس بجوارها بهدوء لم ينتظر إذنها ثم قال بنبرة دافئة حاول أن يدخل بها بعض الحياة إلى قلبها
وحشتينا يا توتو
التفتت نحوه ببطء ابتسمت ابتسامة باهتة لكن الدموع انفجرت في عينيها على الفور.
جلس يعقوب أمامها مباشرة حمل كوب ماء وناوله إليها برفق
اشربي إنت نسيتي نفسك قوي.
أخذت الكوب بيد مرتعشة همست بصوت مبحوح
أنا كويسة.
رد يونس على الفور بصوت ثابت
لأ إنت مش كويسة وإحنا عارفين بس مش جايين نعاتبك جايين نعضدك.
أكمل يعقوب عينيه معلقتان بعينيها مباشرة
ما تسيبيش الحزن يسرقك مننا يا وتين مش راكان اللي كان يرضى بكده.
هزت رأسها بسرعة والدموع تهطل دون توقف لم تستطع الرد.
اقترب يعقوب أكثر أكمل بصوت حازم وحنون في آن
إحنا هنكمل شغل راكان آه بس كمان لازم نحافظ على أغلى ما كان عنده.
مد يونس يده أمسك يدها برفق وقال
أنت.
انفجرت وتين بالبكاء دفنت وجهها في يديها كتفيها ارتجفا بعنف كأن كل ما كتمته لأيام وجد الآن ثغرة ليتفجر.
اقترب يعقوب وربت على كتفها برفق صمته كان أقوى من أي كلمة ظل الثلاثة على حالهم لا حوار فقط احتضان صامت لامرأة مكسورة تقاوم امرأة علمتهم أن الصبر يمكن أن يكون أنيقا حتى لو كانت الروح تنزف.
كانوا يجلسون هناك في ركن بارد من المستشفى بينما خلف الزجاج يرقد راكان بين الحياة والموت.
لكن اللحظة لم تكن لحظة ضعف كانت وعدا غير منطوق أن لا أحد منهم سيسمح لوتين أن تكمل الطريق وحدها.
وهناك عند الزجاج البارد لم تعد وتين
مجرد امرأة تبكي حبيبها بل صارت صدى قلب ينزف ووعد خفي أن الفجر لن يخذلهم مهما طال الليل.
يتبع.....

تم نسخ الرابط