روايه قطعة من خافقي بجميع فصولها كاملة الفصل الرابع 4 ياسمين الهجرسي

لمحة نيوز

باك عودة إلى الحاضر
وقفت أمام باب المستشفى.
يدها قبضت على بطاقتها بقوة حتى كادت أطراف أصابعها تشهق من شدة الضغط.
رفعتها أمام الأمن عيناها ثابتة وصوتها خرج حادا لا يشبه الانكسار الذي كان منذ دقائق
الدكتور راكان... نجل السيوفي الكبير.
ساد صمت لحظة ثم أفسحوا لها الطريق بلا اعتراض.
شعرت للحظة أن الممر الممتد أمامها ليس مجرد ممر بل طريق طويل يقودها إلى امتحان وجودها.
دخلت
الأرضية البيضاء تلمع تحت أقدامها خطواتها تطرقها بإصرار.
الهواء برائحة المطهرات خانق لكنه صار كالوقود لأنفاسها.
كل باب تمر بجواره كل سرير تراه بعينيها كان يذكرها بالضعف الذي قررت أن تدفنه للتو.
وجهها تحول إلى قناع بلا دموع.
لم يعد فيه أثر لانهيار بل صرامة جديدة كأنها ولدت من قلب الحطام.
وحين وصلت إلى الباب...
لم تتردد.
مدت يدها وضغطت على المقبض ببطء محسوب كأنها تعلم أن لحظة الدخول لن تغير فقط حياته بل حياتها هي أيضا.
فتحت الباب ببطء وكأنها تخشى أن تقتحم الصمت المهيمن.
دخلت... وها هو هناك.
راكان.
مسجى على الفراش الأبيض ملامحه ساكنة كأن الزمن تجمد فوقه كأن كل صخب الدنيا انكسر عند حدوده أنابيب وأجهزة تحيط به تراقب أنفاسه البطيئة وصفير خافت يعلن أنه ما زال هنا... لكنه بعيد.
اقتربت بخطوات ثقيلة جلست على الكرسي المجاور مدت يدها المرتعشة ووضعتها فوق يده الباردة قليلا ارتجفت أصابعها وهمست بصوت يقطر رجاء
افتح عينك يا راكان... ما ترضاش تسيبني إنت اللي كنت دايما بتشدني وأنا بضعف قوم... بدل الدور خليني أنا اللي أشيلك شوية.
لم يجب.
لكنها أطبقت أصابعها أكثر حول يده كأنها تعانده بالصمت.
وضعت رأسها على ذراعه وراحت تستمع لذبذبة ضعيفة تحت جلد ساكن وكأنها تبحث عن نبض يؤكد أنه ما زال يقاوم.
ساد الصمت.
لكن قلبها لم يهدأ.
عيناها لم تغف.
وروحها لم تستسلم.
كأنها تعاهده هناك في أعمق نقطة من هشاشتها أن تجب عنه وتحارب عنه وتعيش عنه حتى يعود هو... ويكمل الباقي.
في تلك اللحظة دخل أحمد الشاذلي بخطوات حذرة وقف للحظات عند الباب يتأمل المشهد ابنته مع صمت رجل غائب لكنها في الوقت نفسه تخلق حياة جديدة من رمادها اقترب منها وضع يده على كتفها رفعها بهدوء كأنه ينتشلها من الغرق ثم همس
تعالي يا وتين... لازم نكون مع باقي العيلة.
أخذها معه وعاد بها إلى الخارج حيث انضموا إلى الجميع.
كان الهدوء يخيم على المكان لا يسمع سوى صوت مرتل يتلو من إذاعة المستشفى بصوت الشيخ الحصري
فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا
الغرفة الواسعة غمرها صمت ثقيل.
وتين جلست
قرب والدها أحمد تغطي جسدها بشال داكن وجهها الشاحب لا يزال يحمل أثر الانهيار السابق لكن عينيها ثبتتا على صفحات المصحف بين يديها لم تسمع منها كلمة غير أن شفتيها تحركتا بخفوت كأنها تلقي بكل ما في قلبها بين يدي الله.
أحمد إلى جوارها عيناه على الآيات نفسها لكن قلبه كان مثقلا نظر إليها طويلا وشعر أنه عاجز لأول مرة عن حمايتها من قسوة القدر عاجز عن أن يمنع عنها ما تخافه.
في الجهة الأخرى جلس يونس ويعقوب وزياد في صف متجاور. كل منهم احتضن مصحفه كمن يتمسك بطوق نجاة رؤوسهم منحنية بخشوع تنهداتهم تتكرر بين حين وآخر كأنها دعاء لا ينطق.
أما كريمة وأبرار فكانتا بجوار الحاجة فردوس التي أرهقها الوجع وارتفع ضغطها في الغرفة المجاورة حيث يجلس معها الحاج محمد السيوفي كان صوتهما خافتا يطمئنانها ويمسكان بيديها المرتجفتين.
ثم ارتفع من الخارج صوت المؤذن من المسجد القريب يخترق الصمت العميق بنداء الفجر
الله أكبر الله أكبر.
ارتج المكان كله بصدى الكلمات كأنها جسر نور وسط هذا الليل الثقيل.
رفع الحاج محمد رأسه ببطء جال بنظره على الوجوه المتعبة ثم قال بصوت عذب هادئ لكن يحمل قوة الأب الذي يثبت بنيه
نقيم الصلاة يا أولادي.
نهض بخطوات واثقة إلى السجادة الكبيرة المفروشة في قلب الصالة وقف إماما فاصطف خلفه الرجال أحمد زياد يونس يعقوب وجلال.
أما وتين فقد جلست في ركن الصالة تضم شالها إلى صدرها وعيناها تتابعهم بامتزاج من الخشوع والدموع المكبوتة قلبها كان يردد معهم كل تكبيرة كل ركعة كأن الصلاة لم تخرج من أفواههم وحدهم بل من روحها معهم.
انتهت الصلاة وساد الصمت دقائق صمت يشبه الهدوء الذي يسبق الانفجار.
اقترب أحمد الشاذلي من الحاج محمد وجلال انحنى قليلا وهو يهمس بصوت منخفض حريص أن لا يلتقط أحد غيرهم كلماته
بعد إذنكم عايز آخد الشباب على المكتب فيه قرارات تخص الشركة لازم نناقشها انهارده.
هز الحاج رأسه ببطء نظرة عينيه أثقل من الجبال ثم رسم على وجهه ابتسامة صغيرة ابتسامة تخفي خلفها خوفا أعمق من كل ما قيل.
أشار بيده كمن يمنحه الإذن بينما جلال ظل واقفا يشيع أحمد بنظرة متفحصة صامتة.
استدار أحمد نحو الشبان الثلاثة صوته هذه المرة لم يحتمل أي تردد
قوموا معايا في حاجات لازم تتقال انهاردة الوقت مش في صالحنا.
نهضوا صامتين كأن كل كلمة حملت على أكتافهم ثقلا تحركوا خلفه بخطوات متزامنة والجو في الغرفة أصبح أثقل كأن الأنفاس لا تسحب إلا بصعوبة.
أما وتين ظلت وحدها.
حدقت في الباب الذي أغلق خلفهم وارتجف قلبها بإحساس غامض كأن الفجر
الذي طلع الآن ليس فجرا عاديا شيء ما يتغير في الخفاء لكنها لا تعرف بعد إن كان يعدها بالضياء أم بعاصفة.
وفي ركن آخر من البيت الكبير كانت صبا وصفا قد فرغتا لتوهما من صلاة الفجر أصرتا أن تملأ يديهما بشيء يخفف عن الجميع فأخذتا تعدان وجبة بسيطة.
ما إن فرغ الرجال من صلاتهم وبدأوا يتحركون للخروج نحو جناح المكتب حتى تسلل عبير دافئ في المكان.
رائحة خبز طازج تفوح زبدة تذوب ببطء وشاي بالحليب يفور على نار هادئة أبخرته تتمايل كأنها نداء خفي للراحة.
دخلت صبا أولا تحمل صينية كبيرة من الفطائر المحشوة بالجبن والزعتر بخارها يصعد برائحة تذكر بالبيوت في صباحات الشتاء وراءها خطت صفا تحمل أكواب الشاي بالحليب بخاره يرقص في الهواء فينعش الصدور.
قالت صبا بمرح ناعم وهي تضع الصينية على الطاولة وسط القاعة
ولا حد يفكر يخرج من غير ما يفطر الجسم تعبان ولازم حاجة ترجع له النشاط.
ابتسم يعقوب ابتسامة جانبية وهو يمر بجوارها وقال بخفة
يعني نعمل خير ونصلي الفجر نلاقي مكافأة فطير ده كرم فوق كرم.
رفعت صبا حاجبيها ونظرت له بنظرة عتاب رقيقة لكن لسانها صمت لم تضف كلمة فقط زادت من ترتيب الأطباق أمامه.
صفا التي كانت توزع الأكواب لم تعلق لكنها حين وصلت إلى يونس رفعت عينيها إليه مباشرة وهي تناوله كوب الشاي. صوته جاء خفيضا لا يسمعه غيرها
عرفت إزاي إني بحب الشاي بالحليب على الفطار
توقفت لحظة ثم همست بنبرة فيها إنذار أكثر من الحنان
كلنا تعبانين يا أستاذ يونس وكل واحد له طريقته في التماسك.
ابتسم ابتسامة صغيرة لكنه لم يرد اكتفى بأن يطيل النظر في عينيها لحظة أطول مما ينبغي ثم جلس في مكانه يرفع الكوب ببطء إلى شفتيه وكأن فيه شفاء لشيء داخله.
أحمد الشاذلي الذي راقب المشهد من بعيد ربت على كتف زياد وقال
هيفضل فينا الخير طول ما في اللي بيهتم من غير كلام.
أجاب زياد بابتسامة متعبة عينيه تلمعان بصدق حزين
صحيح بس الكلام ساعات بيكون أسهل من السكوت.
ساد صمت قصير قبل أن ينكسر بخطوات تتحرك حول الطاولة. أخذ الجميع أماكنهم وبدأوا يتناولون الطعام ببطء.
كان الإفطار بسيطا لكنه حمل نكهة بيتية دافئة نكهة تقول إن بين التشققات المرهقة في الأرواح ما زال الحب والاهتمام ينبت بصمت مثل زهرة برية تنمو في ظل الصخور لا تحتاج شمسا لتكبر فقط تحتاج قلبا يرعاها.
تقدمت وتين بخطوات مترددة وصوت كعب حذائها يصدر رنة مكتومة في أرضية الرخام البارد. شعرت أن كل خطوة ثقيلة كأنها تسير على بحر من الزجاج المكسور وقفت أمام الجمع أخذت نفسا عميقا وكأنها تغالب زلزالا
يوشك أن يهدم ما بقي من تماسكها.
رفعت عينيها قليلا ثم قالت بصوت خفيض لكنه واضح
أنا آسفة لو دخلت من غير ما أستأذن بس كان لازم أقول اللي في قلبي.
ساد صمت عميق في القاعة. الشباب تبادلوا النظرات بسرعة نظرات تتأرجح بين القلق والفضول والخوف مما قد تبوح به أما أحمد الشاذلي ظل ساكنا في مكانه يرمقها بعينين ثقيلتين لا تكشفان ما بداخله كأنه يزن كل كلمة قبل أن تقال.
وتين خفضت بصرها تتحاشى النظر المباشر في عيونهم ثم قالت بصوت مرتعش
أنا مش هقدر أكون جزء من الاجتماعات الجاية ولا هقدر أرجع المكتب بس دا مايعنيش إني مش هكون موجودة.
رفعت رأسها فجأة كأنها انتزعت من داخلها بقايا خوف وأكملت بثبات لم يتوقعوه
كلمت السكرتيرة من بدري وفريق المحاماة بتاعي هيبدأ يتابع معاكم القضايا اللي كان راكان ماسكها أي ملف فيه اسمه أنا مش هقدر أسيبه وهو في الحال دي.
سكتت لحظة كأنها تتردد. أنفاسها كانت تتسارع لكنها أضافت رغم الارتجاف
أنا فعلا مش هعرف أركز في أي قضية مش قادرة أقرأ ورقة مش قادرة أفصل عقلي عن اللي بيحصله. بس هفضل أتابع من بعيد وهكون موجودة وقت ما تحتاجوني.
كلماتها سقطت مثل حبات مطر في قاعة متوترة زياد كان يطوي أصابعه بعصبية يحاول أن يخفي توتره بابتسامة باهتة. يونس خفض رأسه يحاول ألا يظهر ما يعتصر قلبه أما يعقوب عينيه تراقبانها كما لو كان يخشى أن تنهار في أي لحظة.
التفتت وتين نحو أحمد الشاذلي ونطقت ببطء كأنها تنتزع الكلمات من روحها
أنا مش هطلب من حضرتك تسمحلي أكون طرف في المجموعة الآن أنا بس بطلب منك بصفتك المستشار أحمد الشاذلي مش والدي تسمحلي أنسحب من كل القضايا اللي كانت معايا راكان محتاجني دلوقتي أكتر من أي وقت.
السكوت ثقل أكثر الهواء بدا أثقل من الرصاص الكل شعر أن اللحظة لم تعد مجرد إعلان بل مواجهة خفية بين ابنة مجروحة وأب يعرف حجم ما تحمله.
أحمد الشاذلي اقترب منها خطوة بخطوة صوته حين خرج كان عميقا يحمل دفئا وحزما معا
حبيبتي ارتاحي إنت بس. ماتشليش هم الشغل وراك نسور القضاء ولازم تبقي واثقة إن الشغل ما بيقفش على شخص واحد المهم دلوقتي إنك تخلي بالك من راكان وماتنسيش اللي اتفقنا عليه.
عيناه التقتا عينيها مباشرة لم يترك لها مهربا من حقيقة أنه يراها يعرف ضعفها وقوتها معا.
هزت وتين رأسها في صمت ولم تجد كلمة ترد بها خطت خطوتين للوراء ثم استدارت ببطء تغادر المكان كمن يترك خلفه جزءا من روحه لم يلتفت أحد للحظة لكنهم جميعا شعروا أنها تركت خلفها أثر امرأة لم تنكسر رغم أنها محطمة من الداخل.
أحمد الشاذلي
عاد بنظره إلى الشباب ثم قال بحزم
الاجتماع خلص. يلا يا شباب على شغلكم.
أومأ الجميع كأنهم
تم نسخ الرابط