قصة وجوه لا تموت قصص من واقع الحياة صياغة الأسطورة
توفيت ابنتي قبل عشرة أعوام لكن عندما وجدت صورتها على أحد مواقع التبني أصابني الجنون.
___________
قد يتسلل الحزن إلى أهدأ زوايا حياتك حتى يغدو مألوفًا كأنك وُلدت به وتنسى كيف كان قلبك قبل أن يثقله الفقد كنتُ قد بدأت أستعيد أنفاسي أخيرًا حين أعادتني صورة واحدة إلى دوّامةٍ لم أجد لها تفسيرًا.
أتذكر جيداً عندما رحلت ابنتي إيما في حادث سيارة وهي لم تتجاوز السادسة من عمرها.
في ذلك اليوم المشؤو، كان زوجي مارك يقود بها إلى عرضٍ مدرسي قبل أن تتجاوز سيارةٌ طائشة الإشارة الحمراء وتصطدم بهما بعنف من جهة الأمام فأسلمت إيما روحها داخل سيارة الإسعاف بينما خرج مارك من الحادث حيًّا على نحوٍ بدا أقرب إلى المعجزة.
لم أستوعب ذلك يومًا كيف يمكن للحياة أن تكون قاسية إلى هذا الحد وتنتزع طفلةً وبهذه السرعة؟
استقر الحزن في كل تفاصيل حياتي كضيفٍ ثقيل لا يغادر لم يتبدد الألم ولم تُخفف وطأته السنوات.
أما مارك فسلك طريقًا آخر في مواجهة الفقد؛ إذ انغمس في عمله حتى الإرهاق كمن يهرب من الذكريات أو يصارع شيئًا عالقًا في داخله ومع مرور الوقت صرنا نتجنب ذكر اسم إيما لأن مجرد النطق به كان كفيلًا بإحياء جرحٍ لم يلتئم.
وهكذا مضت عشرة أعوام وببطءٍ شديد، بالتدريج بدأت أشعر أن صدري يتسع للهواء من جديد أنني أتنفس دون ذلك الثقل القاتل.
وفي إحدى الأمسيات وعلى مائدة عشاءٍ يغمرها الصمت تجرأت وقلت
أظن أنني ما زلت أرغب في أن أكون أمًا.
ظلّ مارك محدقًا في طبقه لثوانٍ ثم قال بهدوء
وأنا أيضًا.
كانت تلك أول محادثة حقيقية بيننا منذ سنوات طويلة تحدثنا عن التبني مرارًا لأيامٍ وأسابيع كأننا نعيد اكتشاف بعضنا من جديد.
ثم في مساءٍ هادئ وبعد نقاشٍ طويل آخر اتخذنا القرار.
سنُجرّب
لكن شوقي سبقني وفي غيابه ذات يوم جلست أتصفح أحد مواقع التبني أتنقل بين الصور بفضولٍ ممزوجٍ بشيءٍ من القلق حتى توقفت فجأة.
رأيتها طفلة صغيرة في الخامسة أو السادسة من عمرها لكن ملامحها لم تكن غريبة عليّ على العكس كانت مألوفة حدّ الصدمة.
نفس الشعر الأحمر نفس النمش المتناثر بخفة ونفس العينين الزرقاوين اللتين لم أنسهما يومًا.
تسارعت نبضات قلبي بعنف لم تكن تشبه إيما فحسب بل كانت كانعكاسها في مرآة صورة حيّة منها.
اقتربت أكثر وانقطعت أنفاسي وأنا أحدّق في الشاشة غير مصدّقة.
كيف يمكن لهذا أن يحدث؟
نقرتُ على الملف الشخصي بأيد مرتجفة وفي لحظةٍ خاطفة انقلب السكون في صدري إلى عاصفة.
كان للفتاة اسمٌ آخر وتفاصيلُ لا تمتُّ إلى حياتي بصلة لكن وجههايا إلهيكان وجه إيما كما لو أن الزمن قد انحنى فالتقط صورتها من الماضي وألصقها على تلك الصفحة!
لم أتردد لم أساوم قلبي ولم أُمهل عقلي فرصةً للإنكار مددتُ يدي وقدّمت الطلب في التوّ كأنني أتشبث بخيطٍ من قدرٍ لا يُخطئ ولم تمضِ ساعة حتى جاءني اتصال المنسقة فرتّبنا اللقاء الأول لقاءً كنتُ أشعر أنه لن يكون عابرًا بل فاصلاً بين ما كنتُ عليه وما سأصير إليه عاد مارك في المساء وكان التعب يعلو ملامحه لكنني لم أمهله فرصةً لالتقاط أنفاسها وقلتُ له وأنا أشدّه نحو الحاسوب
يجب أن ترى هذا الآن.
توقّف، متجهمًا
ماذا هناك؟
أدرتُ الشاشة نحوه وما إن وقعت عيناه على الصورة حتى تجمّد كأن الزمن قد انعقد حوله ثم سرعان ما تماسك كمن يخفي ارتجافةً خانته.
قلتُ بصوتٍ يرتعش بين الرجاء واليقين
أترى ما أرى؟
رمش بعينيه ثم أشاح بوجهه وقال ببرودٍ مصطنع
إنها
مجرد طفلة؟!
تكسّرت كلماتي على حافة دهشتي وغمرني إنكارٌ يكاد يخنقني.
مارك هذه إيما!
اشتد صوته كالسيف إذا سُلّ من غمده
إيما رحلت!
ارتجفتُ من نبرته لا من كلماته
لكنني آثرت الصمت فبعض الجدال لا يُجدي وبعض الحقائق لا تُنتزع بالقوة.
مرّ بجانبي دون أن يلتفت ومضى إلى غرفة النوم وتركني وحدي بين صورةٍ تُنادي وقلبٍ يوقن أن للحكاية بقية وأن السرّ لم يُكشف بعد.
وقفتُ هناك أحدّق في الممرّ الخالي
صامتًا كأنّه يبتلع خطاي وباردًا كأنّه يهمس لي بأن أمضي أو أبقى سواءٌ عنده سواء.
لكنني في تلك اللحظة، كنت قد اتخذت قراري بيقينٍ لا يتزعزع وقطعت عهدًا لا يُنقض بأنني لن أترك الأمر يُطوى في غياهب الصمت ولن أدع الحقيقة تُوارى خلف ستار الوهم كان عليّ أن أقتفي أثرها، أن أفتح أبوابها، وأن أواجهها مهما كانت ومهما كان الثمن.
همستُ لنفسي كمن يستدعي شجاعةً من رماد قلبه
أنت ترينها إنها إيما ابنتك أليس كذلك؟
وفي صباح اليوم التالي بينما كان مارك غارقًا في عمله كنتُ أنا أسابق قلقي أقود سيارتي نحو دار الأيتام كأن الطريق يعرفني وأعرفه وكأن كل إشارةٍ كانت تفتح لي لا لتوقفني.
حين وصلت بدا المبنى وديعًا، دافئًا، يلوّح بطمأنينةٍ مصطنعة كابتسامةٍ تخفي ما وراءها.
اصطحبني أحد الموظفين عبر ممرٍ طويل حتى بلغنا مكتبًا هادئًا تكسوه رائحة النظام ويثقله صمتٌ مترقّب.
هناك استقبلتني المنسقة الآنسة جيمسون بابتسامةٍ مهذبة، وقالت
لا بد أنكِ كلير.
أومأتُ برأسي وقلت بنبرةٍ حاولتُ أن أثبّتها
نعم شكرًا لاستقبالي.
لم أُمهل اللحظة أن تبرد ولم أترك الفرصة تنفلت من بين يدي.
أخرجتُ هاتفي وقدّمتُ إليها الصورة كمن يقدّم دليلًا أو يفتح جرحًا ومن ثم قلتُ
هذه الطفلة تشبه ابنتي التي توفيت قبل عشرة أعوام حدّ التطابق.
وفي اللحظة التي التقت فيها عيناها بالصورةثم بالصورة الأخرىتبدّل وجهها وانسحب اللون من ملامحها وبهتت نظرتها كأن الحقيقة طرقت بابها فجأة دون استئذان فرفعت بصرها نحوي بنظرةً مثقلة فهمستُ بتوسل أقتنص اعترافًا من بين صمتها
أنتِ تعلمين شيئًا أليس كذلك؟ بالله عليكِ هل تلك الفتاة هي ابنتي؟ ولو كانت كذلك من أخفاها؟ هل لزوجي يد في ذلك؟
ترددت لحظة ثم تنفست ببطء كمن يسلّم مفتاح سرٍ طال إخفاؤه وقالت بصوتٍ خفيضٍ يحمل ثقل السنين
كنتُ أعلم أن هذا لن يبقى مخفيًا إلى الأبد وأن الحقيقة مهما تأخرت لا بد أن تجد طريقها للنور يومًا ما.
تسللت قشعريرة باردة في أوصالي كأن الحقيقة تلامسني من خلف ستارٍ لم يُرفع بعد.
همستُ بصوتٍ واهن يكاد يضيع بين أنفاسي
أيّ حقيقة؟
أشارت بيدها إلى المقعد المقابل وقالت بنبرةٍ متروّية تخفي اضطرابًا خافتًا
تفضّلي بالجلوس فما سأقوله قد لا يكون هيّنًا.
جلستُ على عجل كأنني أخشى أن تفلت الكلمات إن تأخرتُ لحظة.
تنهدت المنسقة ثم قالت وهي تحدّق في الفراغ كمن يسترجع خيوطًا متشابكة
لم أكن أعلم أنكِ جزءٌ من هذا الأمر.
ترددت برهة ثم تابعت وقد خفّضت صوتها كأن الجدران قد تسمع
لقد كان مركزنا يتعاون مع بنكٍ محليّ للحيوانات المنوية وفي بعض الحالات حين لا يجد الآباء توافقًا مع الأطفال هنا كنّا نحيلهم إليهم كخيارٍ بديل.
أومأتُ ببطء
حسنًا
لكنها لم تكتفِ بل أتبعت حديثها بظلٍّ أثقل
غير أن هذا المرفق تورّط مؤخرًا في فضيحة.
انعقدت ملامحي واشتدّ فضولي
أيّ نوعٍ من الفضائح؟
هزّت رأسها كأنها تتفادى الغوص في عمقٍ موحش
الأمر معقّد وخطير وقد بدأنا بالفعل بقطع كل صلةٍ بهم.
لم أتمالك نفسي فاندفعتُ بإلحاحٍ يكشف توتري
إن كان الأمر كذلك فلماذا