قصة وجوه لا تموت قصص من واقع الحياة صياغة الأسطورة
المحتويات
تخبرينني؟ وما علاقتي أنا بكل هذا؟
رفعت عينيها نحوي وثبّتت نظرتها فيّ كأنها تزن كلماتي بميزانٍ دقيق ثم قالت ببطءٍ محسوب
بسبب تلك الصورة أظن أنكِ بحاجةٍ لأن تسمعي ما تبقّى لكن ليس مني هناك من يملك تفاصيل أعمق شخصٌ يتعاون معي في الخفاء.
توقفت لحظة ثم أردفت
عودي غدًا عند الثانية ظهرًا وسأرتّب لك لقاءً معه.
ظللتُ أحدّق بها بينما كانت الأفكار تتزاحم في رأسي كأمواجٍ هائجة لا قرار لها ولا شاطئ
ثم أومأتُ أخيرًا ونهضتُ أجرّ خطواتي نحو بابٍ لا أعلم ما يخفيه خلفه هل يستغرب أحد أنني قُدتُ سيارتي وأنا في حالةٍ من الذهول؟
أن تتداخل الطرق أمام عينيّ كما تتداخل الأسئلة في رأسي؟
لم يكن شيءٌ منطقيًا.
فضيحة بنكٌ للحيوانات المنوية طفلةٌ تحمل وجه ابنتي الراحلة
أيّ حقيقةٍ تلك التي تقف على أعتابها حياتي؟
وأيّ بابٍ أنا على وشك أن أفتحه؟
سأرتّب لك لقاءً
ترددت عبارتها في داخلي كصدى وعدٍ ثقيل أو كإنذارٍ لا مفرّ منه.
حين عاد مارك في ذلك المساء أفرغتُ أمامه كل ما في صدري سردتُ عليه الحكاية من أولها إلى آخرها، كلمةً كلمة، ونبضةً بنبضة.
كنتُ أترقّب دهشته أو أتهيّأ لقلقٍ يشبه قلقي
لكن ما تلقيته كان شيئًا آخر تمامًاغضبًا مفاجئًا، حادًّا، كريحٍ عاتية لا تُبقي ولا تذر.
قال دون تردّد بنبرةٍ قاطعة
لن تعودي إلى هناك.
تجمّدتُ في مكاني وخرجت كلمتي مشوبة بالذهول
ماذا؟
ارتفع صوته كأنه يضع حدًا لا يُكسر
هذا تجاوزٌ لكل الحدود!
تقدّمت نحوه وعيناي تتشبثان بعينيه كأنني أبحث فيهما عن بقايا منطق
مارك هناك طفلة تشبه إيما حدّ التطابق! ألا يهمّك أن تعرف لماذا؟
أجاب بحدّةٍ أربكتني
لا!
حدّقتُ فيه وكأنني أراه لأول مرة
ولِمَ لا؟
لم يكن في ملامحه سوى التوتر والغليان ومن ثم مرّر يده في شعره بعصبية وأخذ يذرع الغرفة جيئةً
لأن الخوض في هذا الأمر لن يجلب لكِ سوى مزيدٍ من التشوّش سيعبث بعقلك.
انفجرتُ وقد بلغ التوتر ذروته
عقلي مشوّش بالفعل! أنا غارقة في الأسئلة وأحتاج إلى إجابات!
أشاح بوجهه وقال بنبرةٍ أثقلها الضيق
اتركي هذا الأمر يا كلير.
هززتُ رأسي بعنادٍ يختلط بالألم
لا أستطيع.
صمت لحظة ثم تمتم كمن يختنق من ضيق المكان
إذن أنا بحاجةٍ إلى بعض الهواء.
مدّ يده إلى مفاتيحه وعيناه تهربان مني صرختُ وأنا أخطو نحوه
انتظر!
لكن الباب كان قد انغلق وتركني خلفه معلّقةً بين خوفٍ يتضخّم وحقيقةٍ تقترب وغموضٍ يزداد عمقًا مع كل نبضة.
في تلك الليلة، استلقيتُ على سريري أحدّق في السقف كأنني أبحث بين شقوقه عن إجابةٍ ضائعة وأعيد شريط الأحداث مرارًا بلا كللٍ ولا قرار.
الصورة
وجه جيمسون الشاحب
وردّة فعل مارك التي كانت أقسى من أن تُفهَم لم يكن شيءٌ في موضعه ولا حدثٌ في سياقه كأن الواقع نفسه قد اختلّ وتبعثرت معالمه.
حاولتُ الاتصال بمارك مرارًا مرةً تلو الأخرى لكن الصمت كان جوابه الوحيد صمتٌ أثقل من الغياب. مع خيوط الصباح الأولى استيقظتُ على فراغٍ بارد كان السرير إلى جواري لم يُلمس كأن أحدًا لم يمرّ به ولم يترك أثرًا.
جلستُ حائرة يثقلني سؤالٌ لا يُجاب ثم نهضتُ أمشي في الممر بخطى مترددة كمن يخشى أن يوقظ الحقيقة.
كان باب غرفة الضيوف مواربًا دفعته ببطء فبان لي السرير من الداخل وقد بدا واضحًا أنه استُخدم للنوم.
توقفتُ لحظة
لماذا ينام هناك؟
تسلّل إلى صدري شعورٌ غريب مزيجٌ من القلق والريبة كأن شيئًا ما ينفلت من بين يدي دون أن أستطيع الإمساك به.
لبرهة راودتني فكرة التراجع إلغاء اللقاء الهروب من كل هذا العبث لكن وجه إيما لاح أمامي صافياً كذكرى لا تموت وتبعه وجه تلك
اغتسلتُ على عجل وارتديتُ ثيابي والتقطتُ مفاتيحي كمن يمضي نحو قدرٍ لا رجعة عنه.
وصلتُ قبل الموعد بعشر دقائق.
كان دار الأيتام كما رأيته بالأمس نفس الجدران، نفس الممرات، نفس الهدوء
لكن الدفء الذي شعرت به سابقًا قد تلاشى وحلّ مكانه شيءٌ بارد، ثقيل، كأنه إنذارٌ مبطّن.
تعرّف إليّ أحد الموظفين وقال بابتسامةٍ مهنية
هل أنتِ هنا لمقابلة الآنسة جيمسون؟
أومأتُ برأسي.
اصطحبني عبر الممر حتى توقّفنا أمام باب المكتب وطرقتْه برفق ثم فتحته قائلة
إنها هنا.
جاء صوت جيمسون من الداخل
شكرًا لك.
دخلتُ كانت جيمسون جالسةً خلف مكتبها وإلى جوارها شاب في أوائل العشرينات يبدو عليه التوتر كأنه يقف على حافة اعتراف.
قالت بنبرةٍ هادئة
كلير هذا تشارلز.
أومأ برأسه تحيةً وقال بصوتٍ خافت
مرحبًا.
بادلتُه التحية وجلست وعيناي لا تفارقان ملامحه ثم قلتُ بلهجةٍ لا تخلو من إلحاح
قلتِ إن لديه إجابات.
اعتدلت جيمسون في جلستها وقالت بثباتٍ يشي بأن ما سيُقال ليس عاديًا
نعم لديه ما نبحث عنه.
تنحنح تشارلز كمن يُزيح ثقلًا عن صدره وقال بصوتٍ متردّد تتخلله نبرة حذر
أنا لم أكن أعلم بوجودك من قبل لكن حين أخبرتني الآنسة جيمسون عن قصتك أدركتُ لماذا كان لا بدّ من هذا اللقاء.
بدت عليه علامات الاضطراب كأن الكلمات التي يحملها أثقل من أن تُقال بسهولة رمق جيمسون بنظرةٍ عابرة ثم أعاد عينيه إليّ وقال
هناك نمط خيطٌ خفيّ يمتد عبر السنوات الخمس الماضية متبرّع واحد بملامح متكررة شعرٌ أحمر، نمشٌ متناثر، وعينان زرقاوان.
انقطعت أنفاسي وكأن قلبي تعثّر في صدري.
بينما تابع تشارلز وقد ازدادت نبرته جدية
لقد قدّم عددًا كبيرًا من العينات أكثر بكثير مما هو مألوف في البداية لم يُثر ذلك الشكوك فقد اجتاز
اقتربتُ قليلًا وقد اشتدّ فضولي حدّ الاختناق
تنحرف كيف؟
قال وهو يزفر ببطء
كانت العائلات تأتي بطلباتٍ محددة بتفضيلاتٍ وخلفياتٍ مختلفة لكن على نحوٍ غريب كان العديد منهم ينتهي بأطفالٍ يحملون ملامح ذلك المتبرّع حتى وإن لم يكن ذلك ما طلبوه.
ضاق صدري كأن الهواء نفسه أصبح أثقل.
بينما أردف تشارلز وقد خفّض صوته
لم يكن في الأمر منطق حتى اكتشفنا أن مالكة المنشأة متورطة.
تصلّبت ملامح جيمسون وقالت ببرودٍ يخفي استياءً عميقًا
كانت تُعطي الأولوية لعيناته تُسرّع الإجراءات وتتجاهل رغبات العملاء كأنها تفرض اختياراتها عليهم قسرًا.
حدّقتُ فيهما وخرج سؤالي مشدودًا بين الدهشة والقلق
لكن لماذا؟
تردّد تشارلز لحظة كمن يختار كلماته بعناية ثم قال
لأنها على علاقةٍ به.
ارتعشت جفوني واتسعت عيناي غير مصدّقة
ماذا؟!
قال تشارلز وقد أثقل صوته بما يحمله من اعتراف
لقد فضّلتْه منحته الأفضلية وقدّمت تبرعاته على حساب غيره حتى خرج الأمر عن السيطرة الآن هناك العشرات من الأطفال وربما أكثر جميعهم يحملون ملامحه وكأنهم نسخٌ من أصلٍ واحد.
وأضافت جيمسون وقد انعكس الأسى في نبرتها
وبعض هؤلاء الأطفال انتهى بهم المطاف هنا في هذا المكان أدركت بعض العائلات المتبنية أن ثمة خللًا لا يُفسَّر فلم يحتملوه منهم من طالب بالحقيقة ومنهم من عجز عن المواجهة فاختار الرحيل.
ارتجفت يداي كأن البرد قد تسلّل إلى عروقي فجأة وهمستُ بصوتٍ مرتعش
والفتاة التي رأيتها؟
أومأ تشارلز ببطء وقال
نعم الطفلة الموجودة على موقع الدار هي واحدة منهم وصلت إلينا عبر سجلاتنا لا أستطيع الإفصاح عن أسماء لكنني أستطيع أن أؤكد لكِ هذا إنها من نسل ذلك المتبرّع.
ابتلعتُ
إذن أنت تقول إن هناك رجلًا واحدًا لديه ماذا عشرات
متابعة القراءة