قصة وجوه لا تموت قصص من واقع الحياة صياغة الأسطورة
الأطفال جميعهم متشابهون؟
أجاب بهدوءٍ ثقيل
إلى حدٍّ كبير نعم.
تعثّر صوتي وأنا أتابع كأنني أخشى سماع ما سأقوله
وابنتي كانت تشبهها أيضًا.
ساد الصمت صمتٌ كثيف كالغيم قبل العاصفة ولم ينطق أيٌّ منهما.
نهضتُ ببطء والأرض لم تعد ثابتةً تحت قدميّ من هول الصدمة وقلتُ بنبرةٍ واهنة
شكرًا لكما.
بدت جيمسون قلقة وقالت وهي تراقبني
كلير هل أنتِ بخير؟
أجبتها بابتسامة باهتة صادقة في انكسارها
لا لستُ بخير لكنني كنت بحاجةٍ لأن أسمع هذا.
تحرّك تشارلز في مكانه باضطراب وقال
أنا آسف.
أومأتُ برأسي مرةً واحدة
ومضيت أحمل في صدري حقيقةً ثقيلة لا تُقال بسهولة ولا تُنسى أبدًا.
لكن وأنا أغادر ذلك المكتب كانت فكرةٌ واحدة تتردّد في رأسي تتضخّم، وتعلو، وتطغى على كل ما عداها
شعرٌ أحمر
نمشٌ متناثر
وعينان زرقاوان
كأنها مفاتيح سرٍّ واحد أو شيفرة قدرٍ بدأت تتكشف حروفها أمامي.
في لحظةٍ كنت أعبر بوابة دار الأيتام وفي اللحظة التالية وجدتني جالسة داخل سيارتي أمام مبنى مكتب مارك تعلّقت عيناي بالمدخل أحدّق فيه من خلف الزجاج كأنني أترقّب ظهور حقيقةٍ تختبئ خلف أبوابه.
همستُ لنفسي بدهشةٍ مشوبةٍ بالرهبة
كيف وصلتُ إلى هنا؟
لكنني في أعماقي كنت أعرف
كنت أعلم أن خيطًا خفيًّا قد نسج الصورة كاملة وأن قلبي سبق عقلي إلى الربط بين ما تفرّق.
وكنت خائفة خائفة حدّ الارتجاف من أن أجد الإجابة التي أبحث عنها لا أذكر الطريق إلى هنا ولا تفاصيل الرحلة كل ما أذكره أنني كنت أندفع
سيدة كلير! أهلاً بكِ.
رسمتُ على وجهي ابتسامةً واهنة لا تشبهني وقلت
مرحبًا هل مارك موجود؟
أجابت بلطف
بالطبع هل أُخبره بوجودك؟
هززت رأسي سريعًا كأنني أخشى أن يسبقني
لا أريدها مفاجأة.
ابتسمت قائلة
هذا لطيف تفضّلي.
سرتُ في الممر لكن قدماي كانتا مثقلتين كما لو أن الأرض تُبطئني فأنا أعلم أن الحقيقة تنتظرني عند نهايته.
وحين وصلت إلى باب مكتبه توقفت لحظةٌ قصيرة لكنها كانت كفيلة بأن تختصر عمراً من التردد ثم دون أن أستأذن مددتُ يدي ودفعته ليفتح.
رفع مارك رأسه عن مكتبه واتسعت عيناه دهشةً كأنما باغتته الحقيقة قبل أن يتهيأ لها.
كلير ماذا تفعلين هنا؟
أغلقتُ الباب خلفي ببطء كأنني أُحكم إغلاق طريقٍ للفرار له أو لي ولثوانٍ ثقيلة لم أقل شيئًا فقط نظرت إليه.
شعره الأحمر
نمش وجهه
وعيناه الزرقاوان
كانت التفاصيل نفسها تصرخ في وجهي تتكرر، تتطابق، وتفضح ما لم يُقل.
سألته بهدوءٍ مخيف كهدوءٍ يسبق العاصفة
لماذا تتبرع بحيواناتك المنوية؟
انفجرت الكلمات في الغرفة كقنبلةٍ صامتة فانتفض مارك واقفًا وقد اختلطت الدهشة بالإنكار في صوته
عمّ تتحدثين؟!
ثبتُّ عينيّ عليه وقلت ببرودٍ متعمّد
تحدثتُ إلى شخصٍ من بنك الحيوانات المنوية وأعطاني اسمك.
لم يكن ذلك صحيحًا لكن ارتباكه كان كافيًا ليقول كل شيء.
كلير
بدأ صوته يتهاوى كأن الأرض تنسحب من تحته.
قاطعته بحدّةٍ لم أعتدها في نفسي
منذ متى
أخذ يذرع المكان جيئةً وذهابًا كمن ضاقت عليه الجدران وقال مرتبكًا
الأمر ليس كما تظنين.
اقتربتُ خطوة وصوتي يرتفع رغمًا عني
إذن اشرحه! لأن ما أراه الآن رجلٌ ينجب أطفالًا في الخفاء ويتركهم يتوزعون على العالم كأسرارٍ حيّة!
مرّر يده في شعره وقال بنبرةٍ دفاعية
كنتُ أساعد كنتُ أتبرع الأمر مختلف.
ضحكتُ لكن ضحكتي كانت أقرب إلى انكسارٍ مسموع
مختلف؟! حقًا؟ قل ذلك لهؤلاء الأطفال الذين وُجدوا بفضلك ثم تُركوا يواجهون العالم دون أن يعرفوا من أين جاؤوا أو لماذا يشبهون رجلًا واحدًا!
توقّف مارك عن حركته المضطربة ثم رفع عينيه إليّ وقد تبدّلت ملامحه كأن قناعًا سقط فجأة وكُشف ما تحته من وجعٍ واعتراف.
قال بصوتٍ خافت مثقلٍ بما لا يُحتمل
لقد فعلتُ ذلك من أجل إيما.
تجمّدت الكلمات على شفتيّ وخرج صوتي بالكاد
ماذا؟
مرّر يده على وجهه كمن يحاول لملمة شتات نفسه ثم قال
ظننتُ إن تركتُ شيئًا مني في هذا العالم ربما، فقط ربما يولد طفلٌ يشبهها.
حدّقتُ فيه غير قادرة على استيعاب ما أسمع
هذا لا يُعقل. لا يمتّ للمنطق بصلة.
صرخ وقد انفلت صبره
أعلم! أعلم أنه يبدو جنونًا لكنه كان أقوى مني! لم أستطع تركها ترحل يا كلير لم أستطع!
امتلأت عيناي بالدموع وانكسر صوتي بين أضلعي
فقررتَ أن تستبدلها؟
هزّ رأسه بعنف كأن الكلمة طعنته
لم أستبدلها! أنا فقط كنت بحاجةٍ لأن أراها من جديد حتى لو لم تكن هي، حتى لو كانت مجرد ظلٍّ منها.
تراجعتُ خطوة وقلبي يضجّ برفضٍ
هذا ليس حزنًا هذا هوس وصاحبة بنك الحيوانات المنوية هل كنت تشاركها هذا الحزن أيضًا؟
انتفض جسده وكأن السؤال أصابه في مقتل فقال متلعثمًا
لم يكن الأمر مقصودًا لم أخطط له حدث فحسب أخطأت نعم لكن صدّقيني، أنا لا أحبها أنا أحبكِ أنتِ.
ابتسمتُ بمرارة وقلت بهدوءٍ أشد وقعًا من الصراخ
كان بإمكانك أن تطلب المساعدة أن نلجأ معًا إلى علاجٍ نفسي أن نواجه الألم يدًا بيد
لكنّك اخترت طريقًا آخر طريق الكذب، والخداع وإنجاب أطفالٍ تحت ذرائعٍ واهية لخمس سنوات كاملة.
قال بيأسٍ
لم أرد أن يصل الأمر إلى هذا الحد هي من كانت تُصرّ على المزيد كانت تقول إن ذلك يزيد فرص النجاح لم أكن أفكّر بوضوح كلير أرجوكِ يمكننا إصلاح ما حدث.
هززتُ رأسي ببطء والدموع تنساب على وجنتيّ لكن صوتي ظلّ ثابتًا حاسمًا كحدّ النهاية
لقد حطّمتنا يا مارك منذ اللحظة التي اخترتَ فيها كل هذا بدل الصدق انتهى الأمر.
استدرتُ ومضيت لوّحت لي موظفة الاستقبال وأنا أعبر فبادلتها ابتسامةً باهتة لا تعني شيئًا.
في الخارج جلستُ داخل سيارتي أغلقتُ الباب وكأنني أُغلق فصلًا كاملًا من حياتي ثم أطلقتُ زفرةً طويلة كأنني أتحرّر أخيرًا ومن ثم التقطتُ هاتفي واتصلت.
وحين جاءني الصوت على الطرف الآخر قلت بثباتٍ لم أعرفه في نفسي من قبل
مرحبًا أودّ تحديد موعد أريد البدء في إجراءات الطلاق في أقرب وقت ممكن.
جاءني الردّ مهنيًا هادئًا
بالطبع، تفضّلي بإعطائي بياناتك لنرتّب الموعد.
أغلقتُ الهاتف
وللمرة الأولى منذ عشرة أعوام لم أكن أركض خلف ماضٍ مكسور بل كنتُ أخيرًا
أختار نفسي.