قصة استغاثة دمية صياغة الأسطورة A&H

لمحة نيوز

لم تكن تلك الدمية سوى خرقةٍ بالية في نظر الجميع لكنها في نظر ابني كانت شيئًا يستحق النجاة.
تلك الدمية التي وجدها مدفونةً بين العشب بعينٍ واحدة تحدّق في الفراغ وجسدٍ غارقٍ في القذارة هممتُ أن أصرفه عنها، وأن أدفنها حيث وُجدت لكنّه تشبّث بها كأنه وجد كنز ثمين.
وفي تلك الليلة حين سكن البيت ونام مارك مطمئنًا بين ذراعيها مددتُ يدي أداعب بطن الدمية في شرودٍ عابر فإذا بشيءٍ في داخلها ينبض لا كجمادٍ صامت بل كسرٍّ حيٍّ.
ثم انبثق صوتٌ واهن، مرتجف ينادي باسمه يستغيث به كأن الحياة معلّقةٌ على همسة. 
منذ عامين منذ أن غابت زوجتي وغاب معها الدفء صرنا أنا ومارك نلوذ بالطريق نمشي كل أحد نطوي المسافات علّنا ونطوي معها في الخفاء شيئًا من الحزن.
لم تكن نزهةً عابرة بل طقسًا نلوذ به من الانكسار ونهرب به من صمت الجدران فمهما أثقلني التعب ومهما ازدحمت مآسي الأيام في صدري وتراكمت أوراق العمل ورسائل الانتظار كنا نمشي.
أنا وهو لا ثالث لنا سوى الصمت أحيانًا والذكريات أحيانًا أخرى ف مارك يحتاج إلى تلك اللحظات وكنتُ أحتاجها أكثر مما أعترف.
كان مارك طفلٌ يفوق عمره حكمةً ويُفرط في اللطف حتى أنني كنت أخشى عليه فالعالم لا يرحم من يلين ولا يُجيد احتضان القلوب الرقيقة فمنذ رحيل والدته

صار كل شيءٍ في عينيه أكثر حدّة كأن الحياة كشفت له وجهها دون تمهيد يرتجف من صوتٍ مفاجئ ويتشبّث بي بنظرةٍ قلقة ويطرح أسئلةً لا أملك لها جوابًا أسئلة تُعرّي ضعفي وتفضح جهلي
أحياناً ينظر إليّ طويلًا كأنه يترقب غيابي أو أن الفقد عنده لم يعد احتمالًا بل وعدًا مؤجلًا.
وأنا في بعض اللحظات أنسى.
أنسى أنها رحلت فألتفت لأحادثها أو لأشاركها تفصيلةً صغيرة فلا أجد سوى الفراغ مكانها خاوٍ وصوتها غائب وذكراها تملأ المكان أكثر مما كانت تفعل.
تلك اللحظات تفتتني بصمت وتتركني هشًّا على حافة الانهيار لكنني لم أسمح لمارك أن يرى ذلك.
لا أريده أن يعرف أن والده في السادسة والثلاثين وبعد موتها يقف للآن وحيدًا ولا يعرف كيف يواصل الطريق لذلك نمشي نمشي كي لا نسقط.
في ذلك اليوم كانت السماء شاحبة الزرقة كأن لونها قد تلاشى في صمت وارتدت بهوتًا حزينًا وعلى امتداد الطريق تناثرت العائلات هنا وهناك وتماثلت خطوات الأزواج وهم يقودون كلابهم بينما مضى العدّاؤون يعبرون المكان بسماعاتٍ تعزلهم عن ضجيج العالم.
كان يومًا عاديًا هادئًا حدّ الرتابة، ساكنًا حدّ الاطمئنان إلى أن انكسر ذلك السكون فجأة كنا في منتصف الطريق حول البحيرة حين توقّف مارك بغتةً حتى كدتُ أن اصطدم به بشدة ناديته متعجبًا
مارك؟
لكنّه
لم يجب بل ظلّ شاخصًا ببصره نحو العشب كأن الأرض قد همست له بسرٍ أوعدلّته على كنزٍ مطمور لا يراه سواه ومن ثم انحنى ببطء ومدّ يده بين الأعشاب واستخرج شيئًا كان دمية دب لكنها لم تكن دميةً عادية بل كانت مثار نفورٍ واشمئزاز.
فروها متلبّد بالطين وعينها الواحدة تحدّق في فراغٍ موحش بينما الأخرى غائبة كأنها انتُزعت قسرًا وعلى باطنها تمزّقٌ غائر تنفلت منه حشوةٌ متكتلة جافة كأنها شهدت زمنًا من الإهمال والنسيان.
انحنيتُ بجانبه وقلت بنبرةٍ حاولتُ أن أجعلها هادئة
يا صغيري إنها متّسخة جدًا دعنا نتركها هنا، حسنًا؟
لكن أصابعه اشتدّت حولها كمن يخشى أن تُسلب منه وضمّها إلى صدره بإصرارٍ خافت وقال بصوتٍ يحمل رجاءً عميقًا
لا يمكننا تركه وحيداً هنا إنه مميز.
للحظة تغيّر نَفَسه وارتجف صوته وظهرت تلك النظرة في عينيه النظرة التي أعرفها جيدًا، نظرة من يقف على حافة البكاء، لكنه يقاوم
وتلك النظرة كانت دائمًا كفيلة بأن تهزّني من الداخل.
تنهدتُ بصمت ثم قلت مستسلمًا
حسنًا سنأخذه إلى المنزل.
حين عدنا إلى المنزل جلستُ أمامها ساعةً كاملة وربما أكثر، أقاوم اشمئزازي.
كان بإمكاني أن أُسرّع الأمر لو أغرقتها بالماء لكن مارك بعينيه المعلّقتين بها سألني ببراءةٍ قلقة إن كان سيتمكن من النوم معها
تلك الليلة فآثرتُ التريّث وراعيتُ رغبته وخفّفتُ الماء كي لا تتأخر في تجفيفها فوضعتُ الصابون برفق وفركتُ الفرو المتلبّد حتى بدأ يستجيب ثم استعنتُ بالمكنسة الرطبة لامتصاص ما علق بها من أوساخٍ وأثر كررتُ الأمر مرارًا، مرةً بعد مرة حتى انقشع عنها ما يشبه العار وبدت أقرب إلى النظافة أو إلى شيءٍ يُحتمل ثم عقّمتها بالكحول وخيطتُ التمزّق الذي بها بعناية غرزةً تلو أخرى كأنني أرمّم ما لا يُرى.
ظل مارك طوال ذلك يقف قريبًا قريبًا حدّ التعلّق يمدّ يده بين حينٍ وآخر ليلمسها كأنه يتحقق من وجودها، من أنها لم تختفِ فجأة يسألني كل بضع دقائق
هل انتهيت؟ هل أصبحت جاهزة؟
وحين أقبل الليل ضمّها إلى صدره في فراشه كأنها شيءٌ لا يُعوّض وقفتُ أراقبه لحظةً وهو يغفو، بدأت ملامحه تهدأ وأنفاسه تنتظم وسكونه ينساب كنسيمٍ خفيف فمددتُ يدي لأعدّل الغطاء
وهنا تبدّل كل شيء.
لامستُ بطن الدمية.
وفي تلك اللحظة حدث ما لم يكن في الحسبان.
ومضةٌ خافتة كشرارةٍ كهربائية انطلقت من أعماقها تلاها صوتٌ حاد، مباغت، شقّ صمت الليل شقًّا ثم تسلّل صوتٌ واهن مرتجف عبر نسيج القماش
مارك أعرف أنه أنت ساعدني.
تجمّد الدم في عروقي وتسمرتُ في مكاني أحدّق في الدمية بينما كان قلبي يخفق بعنفٍ حتى شعرت به يرتطم بحنجرتي.

لم تكن لحنًا ولا ضحكةً مسجّلة
تم نسخ الرابط