قصة استغاثة دمية صياغة الأسطورة A&H

لمحة نيوز

ولا خللًا عابرًا في لعبةٍ بالية بل كان صوتًا بشريًا صوت طفل وقد نطق اسم ابني بوضوحٍ لا يقبل الشك.
التفتُّ إلى مارك كان لا يزال غارقًا في نومه هادئًا على نحوٍ يثير الريبة كأن ما حدث لم يمسّ عالمه الصغير بشيء.
حبستُ أنفاسي ومددتُ يدي ببطء وانتزعتُ الدمية من بين ذراعيه برفقٍ شديد وتراجعتُ خطوةً خطوة وخرجتُ من الغرفة ثم أغلقتُ الباب بحذرٍ بالغ حتى كاد الصمت نفسه يهمس لي ألّا أُحدث أدنى صوت.
لكن داخلي لم يكن هادئًا كان ذهني يغلي بأسئلةٍ مظلمة ويدور في دوّامةٍ من احتمالاتٍ تُرعب أكثر مما تُفسّر.
أكان هذا مزاحًا ثقيلًا؟ أم حيلةً مُحكمة؟ أم جهاز مراقبةٍ خفيّ يترصّدنا في صمت؟
هل كان هناك من يراقبنا يرانا يسمعنا؟
حملتُ الدمية بين يديّ لكنني لم أشعر أنها مجرد لعبة بل بدت كأنها شيءٌ على وشك أن ينفجر أو أن يكشف ما هو أشدّ فتكًا من الانفجار.
في المطبخ وتحت ضوءٍ ساطعٍ لا يرحم وضعتها فوق الطاولة وبدون ترددٍ هذه المرة مزّقتُ الخياطة التي كنت قد أغلقتها بعنايةٍ قبل ساعات فتناثرت الحشوة على السطح كأحشاء سرٍّ مكشوف ومددتُ يدي إلى الداخل حتى لامستُ شيئًا صلبًا.
توقفتُ لحظة ثم أخرجته ببطء.
كان صندوقٌ بلاستيكي صغير بداخله مكبّر صوت وزرّ مُثبتان معًا بشريطٍ لاصق
وعلى ما يبدو أنهما جُمعا على عجلٍ لغرضٍ لا يُطمئن وبينما كنتُ أحدّق فيه عاد الصوت أكثر وضوحًا هذه المرة
مارك؟ مارك، هل تسمعني؟
تجمّدتُ للحظة لو كان صوت رجلٍ بالغ، لربما تعاملتُ مع الأمر بحذرٍ بارد أو بصرامة محسوبة لكن هذا كان صوت طفل طفلٌ يطلب النجدة وذلك شيء لا يمكن تجاهله.
ابتلعتُ ريقي وضغطتُ على الزر ثم انحنيتُ نحو الدمية وقلت بصوتٍ منخفضٍ لكنه ثابت
أنا والد مارك من أنت؟
انقطع الصوت فجأة فأسرعتُ أضغط الزر مرةً أخرى وقلت بتوترٍ يتسلل إلى نبرتي
لا لا، انتظر أنت لست في ورطة معي أنا فقط أحتاج أن أفهم ما يحدث
انبعث أزيزٌ ثابت كخيطٍ رفيعٍ يشقّ الصمت ثم تلاه صوتٌ مرتجف متكسّر الحروف
أنا ليو أرجوك ساعدني.
ارتطم الاسم بذاكرتي فجأة كشرارةٍ أشعلت صورًا لم تخمد ليو ذلك الصبي الذي اعتاد مارك اللعب معه في الحديقة كل نهاية أسبوع ضحكته كانت تشرق كالشمس وركبتاه لا تكفّان عن التكدّم كأن الطفولة فيه كانت تركض بلا كوابح لكنه اختفى.
توقّف عن المجيء منذ أشهر سأل عنه مارك مرة ومرتين ثم صمت كأن الغياب أصبح عادة أو كأن النسيان صار رحمة.
ظننتُ أنهم انتقلوا أو غيّروا المكان أو ذابوا في زحام الحياة كما يفعل الجميع.
اقتربتُ من الجهاز مرة أخرى وضغطتُ الزر وقلت بصوتٍ
حاولتُ أن أثبّته
ليو هل أنت بخير الآن؟ هل أنت بأمان؟
لكن لا جواب فقط أزيزٌ خافت يتردّد لثوانٍ كأنفاسٍ تحتضر ثم صمت.
ضغطتُ الزر ثانيةً بلهفةٍ لم أستطع إخفاءها
ليو؟ أنا هنا يا صغيري ما زلت أسمعك من فضلك، تكلّم.
لا شيء.
سكونٌ ثقيل يضغط على صدري ويترك الأسئلة معلّقةً بلا رحمة.
جلستُ على طاولة المطبخ ساعاتٍ طويلة أحدّق في الدمية كأنها ستبوح بما تخفيه وأتساءل هل لا يزال ليو حيًا؟ أم أن صوته كان صدى شيءٍ انتهى؟
مع أول خيطٍ من الصباح دخل مارك إلى المطبخ بقدميه الصغيرتين في جواربه يفرك عينيه النعستين وكأن الليل لم يغادره بعد وكان أول ما قاله
أين الدب؟
نظرتُ إليه وقلت بهدوءٍ متماسك
هو بخير سأعيده لك لكن هناك شيءٌ يجب أن نتحدث عنه أولًا.
تسلّق الكرسي المرتفع وعندما استقر جالساً عليه كالعادة أخذت ساقاه تتأرجحان في الهواء لصغر قامته بينما عيناه تتعلّقان بي بترقّبٍ حذر.
سألته
هل تتذكر ليو؟
أضاء وجهه فجأة، وقال
صديقي من الحديقة؟
أومأتُ ببطء وأضفت
نعم هل لاحظت أنه كان مختلفًا في آخر مرة لعبتما فيها معًا؟
عقد مارك حاجبيه قليلًا وكأنه يستدعي ذكرى بعيدة ثم قال
لم يكن يريد أن يلعب الغميضة كان يريد فقط أن يجلس قال إن بيته أصبح صاخبًا.
توقفتُ عند تلك الكلمة صاخبًا
ومن ثم سألته بحذر
هل قال لك لماذا؟
هزّ كتفيه بلا اكتراث
قال إن والدته مشغولة وإن الكبار لا يسمعون عندما تخبرهم بشيء.
شعرتُ بشيءٍ باردٍ ينساب في داخلي فسألته وأنا أحاول أن أبقي صوتي ثابتًا
هل أخبرك أين كان يسكن؟
أومأ برأسه
البيت الأزرق على بعد مبنى واحد من الحديقة نمرّ من هناك كل يوم أحد.
تعلّقتُ بتفصيلٍ آخر
هل هو المنزل الذي أمامه زهور بيضاء بجوار صندوق البريد؟
أومأ مرةً أخرى وفي تلك اللحظة كنتُ أعرف تمامًا ما الذي يجب أن أفعله.
بعد أن أوصلتُ مارك إلى المدرسة، لم أتجه بي بسيارتي إلى العمل كما اعتدت بل انحرفت بي الطرق نحو ذلك العنوان الذي ظلّ يطرق رأسي بإلحاح المنزل الأزرق حيث يقيم ليو.
طوال الطريق كنتُ أقنع نفسي بأنني ذاهبٌ لمجرد الاطمئنان لا أكثر زيارة عابرة، وسؤالٌ عابر، وإن احتجتُ عذرًا فسأصوغه في حينه لم أرد أن أخطّط لأن التخطيط اعتراف وأنا لم أكن مستعدًا للاعتراف بما ينهش قلقي.
وقفتُ أمام الباب، وطرقت.
لم يُفتح فورًا لكنني سمعتُ خلفه حياةً تضجّ صوت تلفازٍ مرتفع، همهماتٍ متداخلة، حركةً غير مستقرة كأن الفوضى تسكن الجدران ثم، بعد لحظاتٍ ثقيلة فُتح الباب وظهرت والدة ليو.
بدت الدهشة في عينيها أولًا ثم تلتها مسحةُ تفاجئ كأن حضوري أربك ترتيب
يومها أو كشف زاويةً لم تكن تتوقع أن تُرى ومن ثم
تم نسخ الرابط