قصة استغاثة دمية صياغة الأسطورة A&H

لمحة نيوز

قالت بترددٍ خفيف
أهلاً أنت والد مارك، أليس كذلك؟
تنفّستُ بشيءٍ من الارتياح، وقلت
نعم أنا هو أعتذر عن الإزعاج أعلم أن الزيارة مفاجئة.
ابتسمت ابتسامةً مهذبة وقالت
لا بأس تفضل، ما الأمر؟
تقدّمتُ خطوةً وقلت بنبرةٍ حاولتُ أن أجعلها عادية
في الحقيقة أردتُ أن أسأل عن ليو مارك يتساءل لماذا لم يره في الحديقة منذ فترة.
تلاشت ابتسامتها ثم قالت وكأنها تبحث عن كلماتٍ تبرّر
نعم حسنًا لقد كنّا نحاول التأقلم إذ حصلتُ على ترقية في العمل وأصبحت الأمور مزدحمة بعض الشيء لذا لم يعد لديّ الوقت كما كان.
أومأتُ ببطء لكن شيئًا في داخلي لم يهدأ فقلتُ وأنا أشعر بثقل الكلمات قبل أن أنطقها
أدرك أن ما سأقوله قد يبدو غريبًا وربما غير لائق، لكن نحن بحاجةٍ للحديث عن ليو لأنه ليس بخير.
ارتفعت حاجباها وانعقدت ملامحها بدهشةٍ ممزوجةٍ بشيءٍ من الحدة
وما الذي تعرفه أنت عن ابني؟
ترددتُ لحظة ثم قررت ألا أختبئ خلف المجاملة لذا أخبرتها ولكن بلطف.
حكيتُ لها عن الدمية عن الجهاز المخفي في جوفها وعن
ذلك الصوت الصغير المرتجف الذي خرج منها في قلب الليل
صوت ليو
وهو يستغيث.
غطت فمها بيدها بينما كنت أتحدث كأن الكلمات التي تسمعها أثقل من أن تُحتمل وعيناها تتسعان بقلقٍ يتسلّل في صمت ثم همست بصوتٍ خافتٍ يرتجف
يا إلهي ليو فعل هذا
ثم أخذت تُخبرني وكأنها تبوح بما كانت تؤجّله لنفسها قبل غيرها أن ليو لم يعد كما كان، وأن شيئًا فيه قد انكسر في الآونة الأخيرة أو تغيّر دون أن تنتبه له كما ينبغي.
قالت إنها حاولت أن تقتنص وقتًا ليذهبا معًا إلى الحديقة كما كانا يفعلان لكنها في أغلب الأسابيع كانت تُساق إلى العمل حتى في عطلاتها تركض خلف التزاماتها الجديدة وتترك خلفها ما هو أحقّ بالركض نحوه.
مكثتُ هناك قرابة ساعة ساعةٍ بدت كأنها اعترافٌ طويل أو بداية صحوةٍ متأخرة.
في يوم السبت لم ننتظر طويلًا.
فما إن لمح مارك ليو ووالدته حتى انطلق نحوه كأن المسافة بينهما لم تكن يومًا ولا غيابًا.
لم يترددا لم يتساءلا ركضا فقط وحين التقيا كان العناق غريبًا في بساطته مؤلمًا في صدقه ومثاليًا
كما لو أن الزمن لم يجرؤ يومًا على المرور بينهما كأن الفقد لم يحدث وكأن الانتظار لم يطل جلس الدب بينهما على الأرض صامتًا هذه المرة بينما عادت الضحكات تدبّ بينهما كأنها تعرف الطريق جيدًا.
أما أنا فجلستُ إلى جوار والدته ماندي، نتبادل الحديث عن المدرسة والجداول وضغط الأيام وعن تلك الحقيقة التي نتجاهلها كثيرًا
أننا بحاجةٍ إلى أن نبطئ أن نمنح من نحب وقتًا قبل أن نبحث لهم عن أعذار.
استغاثة دمية صياغة الكاتبة أسماء حميدة
وحين حان وقت الرحيل
احتضن مارك صديقه مرةً أخرى وقال بصوتٍ يخبّئ خوفه
لا تختفِ مرةً ثانية
ابتسم ليو ووعده ببساطةٍ صادقة
لن أفعل.
ثم التفت إليّ وعيناه تحملان امتنانًا أكبر من عمره، وقال
كنتُ حزينًا جدًا لأنني فقدتُ صديقي لكنك أنقذتني. شكرًا لك.
ومنذ ذلك اليوم
لم يعد الغياب سيّد الموقف يلتقيان كل أسبوعين وأحيانًا أكثر كأنهما يعوّضان ما سُلب منهما.
أما الدب فقد صار يجلس على الرف فوق سرير مارك، صامتًا، ساكنًا، كما يجب للدمى أن تكون لم يعد يتكلم وهذا
هو الاطمئنان بعينه.
لكنني تعلّمت شيئًا لن أنساه
أن بعض الأصوات لا تُسمع
وأن بعض الاستغاثات تُقال همسًا ومن لا يُصغي لها قد يفوته إنقاذ قلبٍ كان على وشك أن ينكسر.
نعم أدركتُ متأخرًا أن الأطفال لا يصرخون دائمًا حين يتألمون أحيانًا يكتفون بالانسحاب، أو بالصمت، أو بابتسامةٍ باهتة تخفي ما بداخلهم من ضياع ووحشة تعلّمت أن أكون أكثر إنصاتًا لما لا يُنطق وأن أرى ما وراء الكلمات لا أن أكتفي بما يظهر منها.
عزيزي القارئ إن أبناءنا لا يحتاجون إلى وقتٍ فائض بل إلى حضورٍ صادق لحظةُ انتباهٍ قد تُنقذهم وكلمةُ احتواءٍ قد تُرمّم ما لا نراه لا تجعلوا انشغالكم مبررًا للغياب ولا تؤجلوا القرب حتى يعتادوا البُعد.
اسألوا واصغوا وراقبوا التغيّرات الصغيرة قبل أن تكبر فالطفل الذي لا يجد من يسمعه قد يبحث عن صوتٍ آخر أو يختبئ خلف صمتٍ لا يُفهم وأشرسهم من يحاول لفت الانتباه بطريقة أو بأخرى وقد تكون طريقة منهم كفيلة بتدميره هو ومن حوله.
كونوا الملجأ قبل أن يضطروا للبحث عنه في مكانٍ آخر.

قصة استغاثة دمية صياغة الكاتبة أسماء حميدة.

تم نسخ الرابط