قصة مارينا كاملة بقلم الأسطورة A&H

لمحة نيوز

مارينا الخامسة من عمرها في أكتوبر 2019. احتفلنا بتلك المناسبة باحتفال بسيط، لم أكن متأكدًا مما إذا كانت تفهم معنى أعياد الميلاد، لكنني أردت أن أُحيي هذه اللحظة بطريقة ما. حضرتُ لها كعكة مقاومة للماء، مصنوعة من السمك المضغوط والأعشاب البحرية على شكل أسطوانة، مع شمعة واحدة توقد على القمة.
وجدت الأمر مضحكًا للغاية، ضحكت على طريقتها، سلسلة من الزقزقات وصفير حاد يعني الفرح. كان طولها الآن يقارب المتر وربع، وذيلها قوي بما يكفي لتتمكن من القفز خارج الماء تمامًا متى شاءت. فقد وجهها كل آثار نعومة الطفولة، وتحولت ملامحها إلى شيء أكثر وضوحًا ورصانة. كانت جميلة بطريقة تكاد تكون بشرية، لكنها ليست كذلك تمامًا عيون واسعة تتغير ألوانها باختلاف الإضاءة، زرقاء داكنة في الظل، ورمادية مخضرة فاتحة في الضوء المباشر، وعظام وجنتين بارزتين، وفم قادر على الابتسام كثيرًا، وكانت تبتسم كثيرًا، كما لو كانت تعرف سرًا لا يعلمه أحد سواها.
أصبحت القراءة هاجسها الأكبر. أما أنا، فقد انتقلت من كتب الأطفال إلى روايات اليافعين، أي شيء يمكنني العثور عليه بغلاف مقاوم للماء أو تغليفه بغلاف بلاستيكي شفاف. مارينا أصبحت الآن تفهم القصص المعقدة، وتتذكر تفاصيل الحبكة لأيام، وتسألني عن دوافع الشخصيات مستخدمةً مزيجًا من الإشارات والأصوات التي تعلمت تفسيرها على مر الوقت.
كان كتابها المفضل هو حورية البحر الصغيرة، نسخة هانز كريستيان أندرسن، بعيدًا عن نسخة ديزني المألوفة. شعرت بالتردد حين قررت قراءته لها، مترددة في معرفة رد فعلها تجاه قصة حورية بحر ترغب في أن تصبح بشرية. لكنها أصرت، مشيرة إلى الغلاف مرارًا وتكرارًا حتى رضخت. استمعت إلى القصة كاملةً في جلسة واحدة، ساكنةً تمامًا، وعيونها تتأمل كل كلمة. عند انتهائي، نظرت إليّ وأشارت بإشارة حزينة، ثم جميلة، ثم لمست صدرهاالإشارة التي ابتكرناها معًا للتعبير عن المشاعر والأحاسيس العميقة.
سألتها ذات مرة إن كانت تتمنى لو تستطيع المشي على اليابسة مثل الحورية في القصة. فكرت طويلاً قبل أن تجيب، ثم أشارت بالنفي، ثم أشارت إلى المحيط، إلى وطنها الأصلي. بدت مترددة، وكأن السؤال يفوق قدرتنا على التعبير بالكلمات، ومع ذلك كان قلبها يحاول أن يجيب.
أصبحت مارينا منذ ذلك الحين تسأل عن المحيط باستمرار، عن كل ما درسته، عن كل نوع صادفته. أحضرت لها عينات من بحثي في برك المد والجزر، أصنافًا من الأصداف، ونجم البحر، وقنافذ البحر، ووضعتها في بركتها لتفحصها عن قرب. كانت تدرس كل واحدة بعناية فائقة، وأحيانًا كانت تُصدر أصواتًا كنت متأكدًا أنها تعليقاتها، ملاحظات بلغتها الخاصة، تعكس الفضول العميق والفطنة التي تميزها.
بدأتُ أسمح لها بالمشاركة في بحثي بطرق بسيطة، فأحضر لها عينات لتحديد أنواعها، وصورًا للأسماك لتصنيفها. كانت أكثر دقة مني أحيانًا، تلاحظ اختلافات صغيرة كنت أغفلها، وتفهم سلوك الكائنات البحرية بشكل فطري بديهي. كنت أتساءل في صمت عن نوع العالمة التي كانت ستصبحها لو كانت الظروف مختلفة، لو وُلدت بشرية، أو لو استطعت دمجها في عالم البشر دون أن تكشف حقيقتها.
لكن ذلك كان مستحيلاً. لم يكن بإمكان مارينا أن تُعتبر بشرية، حتى لو استطاعت البقاء خارج الماء لبضع دقائق فقط. مظهرها كان مختلفًا بشكل صارخ أصابعها المكففة، وخياشيمها على الرقبة، وبريق بشرتها الخافت تحت الضوء.
أي شخص سيرى ذلك سيدرك فورًا أنها شيء آخر، شيء مستحيل، خارج حدود الفهم البشري.
لذلك بقيت مارينا في الطابق السفلي، وحُفظ عالمها هناك بأمان، بينما أصبحت أنا الجسر الذي يربط عالمها بعالمي، المرشد والصديق والحامي في آن واحد.
بحلول عامها السابع، كانت مارينا قد استقرت على روتينها الخاص. كانت تستيقظ مع شروق الشمس تقريبًا، حوالي الساعة السادسة صباحًا، لتجدني قد أعددت لها الفطور. كنا نتناول الطعام معًا، جالسة على حافة المسبح وهي تطفو بالقرب مني، أشاركها خططي لليوم، وتُشير بلغة الإشارة إلى تفضيلاتها كتاب معين، قطعة موسيقية، أو أحيانًا حاسوبي المحمول لتشاهد مقاطع الفيديو التي تحبها.
بدأت مارينا تُظهر ميلاً للإبداع. زودتها بأدوات رسم مقاومة للماء، وأقلام تلوين سميكة تُتيح لها الكتابة على الألواح البلاستيكية. كانت رسوماتها في البداية مجرد أنماط وأشكال تبدو عشوائية، لكنها سرعان ما أصبحت أكثر واقعية. رسمت المحيط، الأمواج، الأسماك، ومناظر تحت الماء لم أرها من قبل، وحتى صورتي الخاصة بدقة مدهشة، تعرضها بفخر لابتهاجها بما صنعت.
ولم تكتفِ بذلك، بل رسمت حوريات بحر أخرى، بالغين وأطفالًا، برسومات غنية بالتفاصيل تنوع في الألوان، أشكال ذيول مختلفة، وملامح وجه متنوعة. لم أكن أعرف إن كانت تلك رسومات مستمدة من ذكرياتها أم من خيالها، إن كانت تصور عائلتها أم تصور عالمًا افتراضيًا لما يمكن أن يبدو عليه شعبها.
سألتها مرة باستخدام الإشارات هل تتذكر حوريات بحر أخريات مثلها؟ نظرت إليّ مطولاً، ثم أظهرت إشارة نعم ولا في آن واحد، وكأنها تحاول أن تخبرني بأنها تتذكر شيئًا، لكنه ضبابي وغير واضح. كانت صغيرة جدًا حين افترقنا عنهن.
في تلك الليلة، بقيت مستيقظة أفكر فيما فعلت. أقنعت نفسي بأن مارينا كانت سعيدة صحية، متعلمة بطريقتها، ومعتنى بها. لكنها كانت أيضًا وحيدة، الوحيدة من نوعها بين البشر، وكنت أنا من اتخذ هذا القرار نيابة عنها، وأتخذه كل يوم حين أخفيها عن العالم. شعور الذنب كان يثقل قلبي، لكنه كان أقل سوءًا من البديل كشف أمرها يعني فقدانها، ستُؤخذ، تُدرس، وتُفصل عني. لقد أحببتها، ليس كموضوع بحث أو كحيوان أليف، بل كابنة لم أرزق بها قط، وفكرة فقدانها كانت لا تُطاق.
لذا احتفظت بالسر، واستمرت مارينا في النمو والتعلم، وثقت بي تمامًا، بينما كنت أرتجل الأمور، أتعلم مع كل يوم جديد، آملة ألا أضر حياتها أكثر مما فعلت بالفعل.
بلغت مارينا الثامنة في أكتوبر 2022، وحدث شيء بدا في البداية طفيفًا، يكاد يمر دون ملاحظة لو لم أكن يقظة. بدأت تقضي أوقاتًا أطول في أعمق جزء من حوض السباحة، على عمق عشرين قدمًا، حيث يكون الماء باردًا ومظلمًا. عندما أناديها باسمها، تستغرق وقتًا أطول للصعود إلى السطح، وأحيانًا لا تصعد على الإطلاق إلا إذا دخلت الماء بنفسي.
تغيرت شهيتها أيضًا. كانت تنتقي طعامها بدقة، تأكل ما يكفي فقط لإرضائي، وتدفع الباقي بعيدًا. انتابني القلق، فبدأت أُجري لها كل الفحوصات الممكنة باستخدام معدّاتي المحدودة حرارة جسمها طبيعية، وخياشيمها تعمل بشكل سليم، لا إصابات ظاهرة ولا علامات عدوى. جسديًا، كانت مارينا بصحة جيدة، لكن شيئًا ما كان يختل، شعور خفي يربكني.
تغيرت رسوماتها كذلك. توقفت عن رسم المشاهد المتنوعة التي كانت ترسمها طوال السنوات السابقة، وأصبحت تكرس كل جهدها لرسم شيء واحد
فقط المحيط، وتحديدًا المنظر الذي يطل على الأفق من نافذة قبو منزلها. أعادت رسم تلك اللمحة البعيدة من الماء عشرات المرات، في أوقات مختلفة، وظروف جوية متباينة. كانت تمسك كل رسمة لساعات، تتأملها بعينين ثاقبتين، وكأنها تبحث عن شيء ما.
حاولت أن أفهم ما وراء هذا التغير. استخدمت كل الإشارات والإيماءات التي طورناها على مر السنين. لمست صدرها، وهي الإشارة التي ابتكرناها للتعبير عن المشاعر، ثم أشارت نحو النافذة. وعندما سألتها إن كانت تريد شيئًا، أشارت إلى المحيط، ثم قامت بحركة جديدة لم أرى لها مثيلًا من قبل حركت يديها بطريقة توحي بالمسافة، بالبعد أو الانفصال، شيء لم نستطع تفسيره بعد.
في صباح أحد أيام نوفمبر، نزلت لأجد مارينا قد رتبت بعناية مجموعة من الأشياء على الرف الضحل لحوض السباحة أصداف كنت قد أحضرتها لها على مر السنين، قطعًا من المرجان، وأحجارًا ملساء. لكن ترتيبها لم يكن عشوائيًا، بل شكل دوائر متحدة المركز تنطلق من نقطة مركزية. الدقة كانت مذهلة، لا شيء يوحي بالصدفة، كل شيء يبدو مقصودًا وواعيًا.
جلستُ بجانب المسبح وأسألتها ما هذا؟
أشارت مارينا إلى رأسها، ثم إلى النمط، وكأنها تقول من الذاكرة وعندما سألتها إن كانت تتذكر هذا من قبل، أومأت برأسها بنعم، لكن الإيماءة كانت غير مكتملة، غير مؤكدة، كأنها تلمّح إلى شيء بعيد عن وعيها الكامل، شيء لا أستطيع فهمه بعد.
صوّرتُ النمط الذي رتّبته مارينا ودرسته من زوايا مختلفة. بدا كخريطة، أو ربما كرسمة تخطيطية ذات مغزى، تحمل نقطة مركزية قد تمثل موقعًا، والدوائر المحيطة قد تشير إلى مناطق أو مجموعات أو شيء آخر لم أستطع تفسيره بدقة. عرضتُ عليها خرائط ملاحية على حاسوبي المحمول، مشيرًا إلى مناطق مختلفة على الساحل وسألتها إن كانت تعرف أي شيء. كانت تدرس كل صورة بعناية، لكنها لم تؤكد أي شيء. ما تذكرته، مهما كان، لم يكن محددًا بما يكفي لتفسيره أو لتحديده بدقة.
تغيرت أصواتها أيضًا. مارينا، التي كانت دائمًا ثرية النغم، لغتها من النقرات والصفير كانت حاضرة باستمرار في الخلفية، بدأت الآن تُصدر نغمات أعمق وأنماطًا أكثر تعقيدًا. كانت تنادي أحيانًا في وقت متأخر من الليل، عندما تعتقد أنني لا أستمع، وأثبتت التحليلات أن هذه الأصوات تشبه نداءات التواصل بعيدة المدى، مثل الطريقة التي تستخدمها الدلافين للتواصل مع أفراد مجموعتها عبر أميال من المحيط. كانت تنادي على شخص ما، لكن لم يأتها جواب.
حاولت تشتيت انتباهها، أحضرت لها كتبًا جديدة، شغّلت موسيقى مختلفة، وقدمت أطعمة وأنشطة جديدة. شاركت بجدية، نفذت كل شيء لإرضائي، لكن قلبها لم يكن حاضرًا. الشرارة التي كانت تميّز شخصيتهافضولها وحماسهابدأت تخبو شيئًا فشيئًا.
بحلول ديسمبر، توقفت عن الرسم تمامًا، وتوقفت عن طلب الكتب. قضت معظم وقتها في أعمق نقطة من المسبح، ولا تصعد إلى السطح إلا عند الضرورة. وعندما انضممت إليها في الماء، حاولت التفاعل معها، لمست يدي برفق، في إشارة إلى وجودي، ثم انجرفت بعيدًا، كما لو أن جزءًا منها بدأ بالابتعاد عن عالمي.
كنت أفقدها، ليس بسبب مرض أو إصابة، بل بسبب شيء أكبر مني، شيء لم أملك القدرة على إصلاحه ربما الاكتئاب، وربما الحنين إلى وطن لم تعرفه حقًا. صدمتني الحقيقة بشدة؛ كنت أظن أنني كافٍ لمارينا، وأن الحياة التي وفرتها لها كانت كافية، لكنها كانت على مشارف سنٍّ
تحتاج فيه إلى المزيد، إلى أشخاص مثلها، إلى البحر، إلى أي عائلة انفصلت عنها منذ زمن بعيد.
زاد شعوري بالذنب، ذلك الشعور الذي تراكمت جذوره عبر السنوات. لقد اتخذت قرار الاحتفاظ بها، مقتنعًا نفسيًا بأن ذلك من أجل سلامتها، لكن ربما كان من أجلي أنا فقط، ربما لأنانيتي منعتني من فقدانها. والآن، مارينا تعاني من تبعات هذا القرار.
بدأت البحث بجدية، وهو ما كان يجب أن أفعله منذ سنوات. تصفحت تقارير مشاهدات الكائنات البحرية الغريبة، بحثت في قواعد بيانات اللقاءات مع الحيوانات الخفية، وقرأت كل ما استطعت عن أساطير الحوريات وحكاياتها الشعبية. كان معظمها هراء، أو اختلاقات، أو أخطاء في تحديد الهوية، لكن بعض الروايات جعلتني أتوقف صيادون رأوا لمحات لأشكال بشرية في أعماق المياه، وبحارة سمعوا أصواتًا لا تطابق أي نوع معروف من الكائنات البحرية. على امتداد ساحل المحيط الهادئ، كانت هناك تقارير متفرقة تمتد لعقود.
إذا كانت الحوريات موجودة، وكانت مارينا دليلي الحي على وجودهن، فلا بد من وجود المزيد، مجموعة منهن في مكان ما في أعماق المحيط. مارينا، التي تقترب من سن المراهقة، كانت تدرك وجودهن بطريقة ما، تتذكرهن أو تشعر بدعوة فطرية لم أستطع فهمها بعد.
في ليلة عيد الميلاد، جلستُ بجانب المسبح، ومعي جهاز لوحي مقاوم للماء، أعرض عليه مقاطع من أعماق المحيط المفتوح، لقطات لغابات عشب البحر، الشعاب المرجانية، وكل ما يمكن أن يُظهِر لمارينا عالماً يشبه موطنها. عندما شغّلت لقطات كاميرات أعماق البحار التابعة لحوض أسماك خليج مونتيري، تغيّر شيء في تعابير وجهها. اقتربت من الشاشة، وعيناها تتابعان شيئًا محددًا في اللقطات، ربما تكوينًا صخريًا أو علامة عمق تعرفها.
ثم أطلقت صوتًا لم أسمعه من قبل، عالياً وملحّاً، يكاد يؤلم السمع. أشارت بيدها نحو المنزل، ثم نحو الشاشة، ثم نحو أمي. ارتجفت يداي. قلتُ لنفسي بصوت مرتعش أتتذكر والدتك؟
أشارت مارينا بنعم ولا، بنفس الإيماءة المتناقضة التي اعتدناها. ثم لمست الشاشة حيث بدت المياه العميقة أكثر ظلمة وغموضًا، وأطلقت ذلك الصوت المنادي مجددًا، الصوت الذي كانت تصدره منذ أسابيع، وفهمتُ أخيرًا ما كانت تفعله. لم يكن نداءً عشوائيًا، بل محاولة للوصول إلى شخصٍ محدد، شخص ربما لا يزال يبحث عنها بعد كل هذه السنوات.
أطفأت الجهاز اللوحي، وراقبتني مارينا بصبر وانتظار. قلتُ لها بصوت مثقل بالفشل لا أعرف كيف أساعدك لا أعرف أين والدتك، ولا أعرف كيف أجدها.
لمست يدي، أشارت إليّ بكلمة صديق، ثم وضعت يدها على صدرها، في إشارة لفهمها، لتخبرني بأنها تعلم أنني بذلت جهدي، وأن جهدي لم يعد كافيًا. لم تكن غاضبة، لكنها كانت تخبرني بصمت أن حياتها تتجاوز ما أستطيع تأمينه لها.
في تلك الليلة، اتخذتُ قرارًا. ثماني سنوات قضيتها في حماية مارينا وإخفائها، وتوفير الأمان لها، لكن الأمان لم يكن السعادة. مارينا تستحق أكثر مما أستطيع. لم أكن أعلم بعد كيف سأعيدها إلى المحيط، كيف أمنحها فرصة للعثور على من يشبهونها، حتى لو كان ذلك يعني فقدانها إلى الأبد. مجرد التفكير في ذلك كان يغمرني بشعور الغرق.
كان يناير ٢٠٢٣ باردًا وماطرًا، كما هو الحال في شواطئ أوريغون شتاءً. جلستُ أخطط لتعويد مارينا تدريجيًا على المحيط المفتوح، أفكر في كيفية نقلها بأمان من بركة المسبح المحمية إلى المياه المتقلبة في الخارج.
لم أخبرها بعد، ولم أكن مستعدًا لرؤية
تم نسخ الرابط