رواية قطعة من خافقي كاملة حتي الفصل الاخير بقلم ياسمين الهجرسى

لمحة نيوز

ما قبل السقوط
كان الليل ممدودا كوشاح أسود يلف المدينة يطوي في طياته أسرارا أثقل من الجبال والريح التي مرت بين الأزقة لم تكن نسيما هادئا بل كأنها أنفاس القدر وهو يتهيأ ليكشف عن وجهه المخبوء كل شيء في الخارج ساكن غير أن السكون لم يكن سلاما بل كان صمتا قبل العاصفة صمتا يسبق الانفجار كهدوء قلب يخفي عاصفة هوجاء من المشاعر المتناقضة.
في هذا الصباح تقف الأرواح على حافة هاوية هناك من يظن أنه بلغ النصر فإذا بالنصر يتحول بين يديه إلى رماد.
وهناك من ظن نفسه ضحية فإذا به يكتشف أن الضعف الذي احتواه قد صار سلاحا يردع أعتى الخصوم. هي لحظة الحقيقة اللحظة التي تتجرد فيها النفوس من أقنعتها وتنكشف الوجوه على حقيقتها لا بملامحها المرسومة بل بما يفيض من أعماقها من أو وفاء من حب أو غل من صدق أو زيف.
.. ذلك الذي مضى بخطواته المثقلة إلى قدر يعرف أنه لن يرحمه لم يكن يسير إلى معركة بالسلاح بل إلى معركة بالنفوس معركة فيها الكلمة قد تكون خنجرا والدمعة قد تكون قيدا والابتسامة قد تكون فخا أشد فتكا من الرصاص.
أما......فكان كالمرآة التي تعكس الحقيقة بلا زينة قاض في محكمة لم تنعقد على منصة خشب بل في وجدان كل من شهد اللعبة. عيناه تقرأ الأحداث لا كما تروى بل كما تخط في سجل الأقدار وصوته حين ينطق يكون كالمطرقة التي تسقط القناع وتسكت الضجيج.
هنا تبدأ الحلقة الجديدة.
حلقة لا تروى كحكاية عابرة بل كفصل من أسطورة يكتبها الألم والوفاء الممزوج بالدموع. كل تفصيلة فيها ليست مجرد مشهد بل سهما يصيب أو جرحا يفتح أو قيدا يكسر.
فشدوا أنفاسكم
لأن ما أنتم مقبلون عليه ليس حدثا يشاهد فقط بل قدرا يعاش ولحظة ستترك ندبتها في الروح كما يترك السيف أثره في اللحم.
أمام مبنى محكمة النقض الدولية حيث ترتفع الأعمدة العاجية كأنها تحرس الحقيقة وتنسدل عليها أشعة الشمس الذهبية كوشان يحمى هيبة العدالة تجمع الصحفيون من كل حدب وصوب وجلسات الإعلام نصبت والعدسات تشهر كالبنادق تنتظر اللحظة تتربص بالتصريحات كما تتربص الذئاب بالفريسة.
خلف المنصة الرسمية كان راكان الشاذلي يقف شامخا بقامته المنتصبة كرمح عيناه كالسيف لا تستكين وإلى جواره كانت تقف وتين... نظراتها تحمل مزيجا مربكا من الهيبة والارتباك أنفاسها تتسارع

خلسة ويداها ترتجفان رغم محاولتها إخفاء ذلك خلف ابتسامة شجاعة ثوبها الأبيض الأنيق الذي اختارته بعناية لليوم الكبير صار فجأة يقيد صدرها كأن خوفا خفيا يوشك أن يخنقها.
اقترب منها راكان بهدوء مهيب وضع يده فوق يدها وربت على أصابعها بخفة هامس
أنا بخير ... ومحدش هيقدر يوصلي هما أجبن من كده
أومأت برأسها ثم نظرت أمامها لتجد الجميع قد اصطفوا في مشهد مهيب إلى يمين المنصة وقف المستشار أحمد الشاذلي كالجبل في ثباته والصرامة تتجلى على ملامحه.
كانت ابرار وكريمة ومعهم الحجة فردوس يقفون أمامهم ينظرون إليهم بفخر....
أقبل عليهم يونس وخلفة بعض رجال من الحراسة يخبرهم اتفضلوا العربيات منتظراكم بره....
ابتسمت له الحجه فردوس وأشارت له أن يقترب إليها أكثر مالي عليها
نعم يا جدتي.
ضغطت على كف يده بحنية متتأخروش على الغدا وهاتوا معاكم كل اللي شغالين في مكتب الافوكادو بتاعكم أنا هعمل ليكم غدا ملوكي.
انحني يقبل كف يدها حاضر هبلغ معالي المستشار ومعالي اللواء جلال وهعزم ليكي مصر كلها بس يالا مع الحراس هيوصلكم الفيلا لأن المؤتمر الصحفي هيبدأ حالا.
ابتسمت له وانصرفوا جميعهم مع راجل الحراسة وتوجه الي فيلا السيوفي.
خلف راكان وقف اخاه يونس ويعقوب بملامح تفيض بالفخر والهيبة وعلى يساره كان الصديق الوفي زياد يحمل في نظراته اعتزازا لا يقل عن اعتزاز الدماء.
أما من بعيد فوق درجات الرخام الأبيض وقف الجد السيوفى يحدق في راكان بفخر حارق...
وفي ركن غير ظاهر كان جلال والد راكان البيولوجي يغالب دموعا تأبى إلا أن تنسكب.
نعم كان هذا ابنه... ابن قلبه وقطعة من خافقه... يقف الآن أمام العالم بأسره رمزا للعدل والكرامة.
هتف أحد الصحفيين بصوت امتزج بالحماسة والتحدي
سؤال للمستشار أحمد الشاذلي... كيف أنصفتم العمال بعد سنوات من الظلم
كيف صمدتم في وجه التهديدات والضغوط وحتى الشائعات التي مست سمعه عائلة الشاذلي.
اقترب المستشار بخطوات واثقة ونظر في عيون الصحفيين كما ينظر القائد في عيون جنوده ثم أشار بيده نحو رجل يقف في الخلف.
أولا أوجه شكري وتقديري ل عز الدين باشا وكيل النائب العام.... رجل لا يخاف إلا الله وكان سندا في كل لحظة من لحظات القضية.
تحولت عدسات الكاميرات على الفور وتسلط الضوء على عز الدين
الذي أوما بإجلال.
ثم استأنف المستشار وصوته كطبول النصر
أنا مش بتكلم عن أولادي بس... راكان يونس يعقوب وتين... لا.
كل محام شريف اشتغل في صرحي القضائي هو ابني.
إحنا مش ناس بتخاف من تهديد.... إحنا ناس بتخاف من ربها وبس وهؤلاء العمال كانوا أمانة ولا يمكن نفرط فيهم مهما حصل.
تلاطمت أصوات الفلاشات وتصاعدت هتافات العمال الذين ردت لهم حقوقهم المشروعة
يحيا العدالة!
يحيا قضاء مصر!
لكن داخل كل هذا النشيد المنتصر كانت عين واحدة لا تهدأ .... راكان الذي راح يقلب بصره بين الصحفيين كمن يبحث عن عدو بين وجوه الأصدقاء.
كان قلبه لا يطمئن... ذلك اليوم ليس يوم انتصار كامل بل كما يقول حدسه هو اليوم الذي سيسقط أحدهم القناع وفجأة ينكشف أمام الجميع... 
سقطت عينه على بقعة ضوء حمراء صغيرة تتراقص فوق كتف وتين.. بقعة قناص... نقطة موت تصيب قطعة من خافقة.
صرخ راكان بصوت زلزل المكان الجميع ينبطح فورا!
هرج ومرج كاميرات سقطت ميكروفونات تناثرت وصيحات تتعالى لكن الرصاصة خرجت...
زمجرة رصاص شقت الهواء كصيحة إبليس.... 
في جزء من الثانية كان راكان بكل ما فيه من رجولة ووجع . بانغراس . اخترقت الرصاصة جسده واستقرت قرب قلبه
سقط على وتين دماؤه تتسلل إلى ياقة سترتها تسربت كالحبر على صفحة قصة لم تكتمل عينها لم تصدق ما تشاهده خافقها سينفجر من الصدمة...
صرخت وتين راكاااان! صوتها كسر في منتصفه ثم جثت على ركبتيها وهي تحاول أن تبقي عينيه مفتوحتين وضعت يدها المرتجفة على موضع الجرح لكن الدم كان أقوى من أصابعها الصغيرة ركض الجميع نحوهم.
صبا وصفا وصلتا أولا عيونهما تائهة كمن لا يصدق أن شقيقهم قتل يد الغدر أصابت راكان.
اندفع زیاد وركع بجانبه يضغط على الجرح يونس ويعقوب أخرجوا أسلحتهم من تحت المعطف ووقفا يحمون الجسد المسجى أرضا أما المستشار أحمد تجمد في مكانه للحظة ثم اندفع صارخا برجاله
عايز القناص حي حي اللي لمس ابني هيدفن حي!
لم يتحمل جلال الصدمة أيعقل أن يفقدة بعد كل هذا الفراق بينه وبين ابنه راكان.... هل يعاقبة الله ويفقد أبنه الوحيد أمام عينه لم تحمل قدمة وخرات قوته وسقط على ركبتيه بجاوره يهمس بإسمه وهو ينظر لدمائه التي تلطخ يده يخاطبه كمن يخاطب روحه المغادرة
راكان رد عليا هقول لأمك
ايه!...
نظر إلي رجال الحراسة من حولة اتصلوا بالاسعاف.
اجابه أحدهم اتصلت بهم يا سيادة اللواء وهم على وصول.
انتشر الهرج رجال الأمن يفتشون المباني المجاورة ياسين اندفع بجواره هاتفا باللاسلكي يأمر بإغلاق كل المنافذ.
أما وتين... فقد كانت في عالم آخر عقلها لم يصدق ما تراه عينها وقلبها لم يتحمل فكرة فقدانة إلى صدرها همست في أذنه كمن تحكي له سر تخشي أن يسمعة أحد
انت وعدتني انك ماتمشيش وتسبني مش هقدر اعيش من غيرك... مش بعد ما بدأنا ... أنا محتاجاك جنبي ليه اخدت الرصاصة بدالي كنت سبني 
اموت ليه يا راكان ليه يا راكان ظلت تبكي وتردد اسمه بقهر.
لم يرد عليها دماؤه على كفها على جبينها على صوتها المرتجف العدسات كانت لا تزال تلتقط الصور لهم ... لكن المكان صار مشهدا من الحروب يدمي العيون....
الجميع حوله عقولهم لم تستوعب ما حدث له الخوف علية يحرق قلوبهم صوت سيارة الإسعاف اخترقت آذانهم زحام الصحفيين كالعاصفة من حولة فتح رجال الأمن الطريق بقوة لكي يعبر الطاقم الطبي ابتعدي اخواته ووالديه لكي يحملونة وضعوا سرير الطبي أمامه وانحنوا و رفعوا راكان بحذر على نقالة وركضوا به نحو السيارة وتين صعدت معه يدها لا تزال ممسكة بكفه الباردة.
ركبت صبا وصفا سيارة خلف الإسعاف مع يعقوب
بينما استقل زياد سيارة أخرى عقله رافض فكرة اغتيال راكان.
أما المستشار أحمد فقد ركب سيارة الأمن الخاصة وجهه جامد لم ينطق بكلمة كأن الصدمة سرقت كل حواسه إلا غضبه.
وفي ساحة المحكمة التي خيم عليها الصمت بقي الجد السويفي واقفة لا تدمع عينة لا يتكلم .... فقط يراقب ويدعو الله أن ينجو حفيدة.
أقترب منه جلال يهزه حتي يستفيق ويعود إلى رشدة 
يالا يا والدي الحق راكان علشان أنا هروح اشوف مين اللي عمل كده في ابني.
وأشار إلي أحد الحراس الذي جاء يهرول اصطحبة وذهب به الي السيارة وقبل أن تنطلق السيارة لوجهتهم الي المستشفي نظر إلي جلال
مش عايز اخسرك.
اغلق جلال السيارة يجيب عليه
يالا يا ولدي سبها على الله.
كان كل هذا أثناء إنتشار رجال الأمن فى المكان وسط هذا الجحيم التقط أحد رجال الأمن اللاسلكي وهتف
القناص فوق المبنى المقابل سطح رقم 4 تحركوا فورا!
هرول جلال بعد أن استمع الى رجل الأمن لكي يمسك هو بمن سولت
له نفسة أن يتطاول على راكان السويفي الذي كان يقف
ينظر الي نقطة التي اطلقت
تم نسخ الرابط